تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الرابع والثلاثون 34 · صفحة 376 من 1189
صفحة
[صفحة 376]
بخلاف أمره (صلّى اللّه عليه و آله) تصويب لمخالفة أمر اللّه عزّ و جلّ في إيجاب طاعة رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، و بطلانه واضح، و إفادة أمثال تلك الأوامر للعموم قد تبيّن في الأدلّة السابقة.
الثامن عشر: مما يدل على بطلان الاجتهاد على الوجه الذي يجوز مخالفته، أنّ أبا بكر و عمر كانا يقولان بأنّ حكمهما ربّما كان خطأ، و ربّما كان صوابا، و يلتمسان من الصحابة و سائر من حضرهما أن ينبّهوهما على الخطإ، و لا يقرّروا و لا يداهنوا، و لقد كانت المداهنة من القوم في شأنهما و الإغضاء على خطئهما أقلّ بالنسبة إليه (صلّى اللّه عليه و آله)، و الاحتشام منهم لهما دون الاحتشام له (صلّى اللّه عليه و آله)، و توهم تحتّم الصواب و وجوب الصحّة في قوله تعالى و فعله (صلّى اللّه عليه و آله) أكثر، لا سيما بعد ما تقرّر و تكرّر أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) لا يفعل عن شهوة، و لا يقول عن هوى، و إنّما كلامه (صلّى اللّه عليه و آله) حكم، و نطقه فصل، و قوله عدل، و شهدت له بذلك الآيات المنزلة و السور المتلوّة، و لم يكن التوهّم في شأنهما بهذه المثابة و لا لهما هذه الأسباب و الدواعي، كيف و في حقّه (صلّى اللّه عليه و آله) نزل وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا و نهى عن معصيته و أوعد على مشاقّته و محاقّته، و لا شيء من ذلك فيهما و لا لهما، فكان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أحقّ و أحرى بأن ينبّه على أنّ قوله ربّما يباين الصواب، و يخطئ من إصابة الحقّ، و كيف أهمل (صلّى اللّه عليه و آله) طول هذه المدّة المديدة و أضاع في تلك الأزمنة المتطاولة أن يجنّب أمّته اتّباع الباطل، و يحذرهم الاقتداء بغير الحقّ، و يصونهم عن الإصرار على ما لا ينبغي و يخالف حكم اللّه، و قد وفّق له أبو بكر و عمر و اهتديا إليه السبيل.
و لو قال قائل: إنّ هذا التنبيه و الإيماء كان أولى و لم يكن واجبا، كان الدليل قائما و الحجّة مستقيمة أيضا، لأنّ ترك النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) هذا الأولى و الأليق و الشفقة على الأمّة و النظر لها، و اختصاصهما بهذه المنزلة