بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الخامس والثلاثون 35 · صفحة 56 من 513

صفحة
[صفحة 39]

ثَلَاثَمِائَةٍ مِنَ الْإِبِلِ وَ أَلْفَ رَأْسٍ مِنَ الْبَقَرِ وَ الْغَنَمِ- وَ اتَّخَذَ وَلِيمَةً عَظِيمَةً وَ قَالَ- مَعَاشِرَ النَّاسِ أَلَا مَنْ أَرَادَ مِنْ طَعَامِ عَلِيٍّ وَلَدِي- فَهَلُمُّوا وَ طُوفُوا بِالْبَيْتِ سَبْعاً سَبْعاً (1)- وَ ادْخُلُوا وَ سَلِّمُوا عَلَى وَلَدِي عَلِيٍّ فَإِنَّ اللَّهَ شَرَّفَهُ وَ لِفِعْلِ أَبِي طَالِبٍ شُرِّفَ يَوْمُ النَّحْرِ (2).


بيان: لا يخفى مخالفة هذا الخبر لما مر من التواريخ و يمكن حمله على النسي‏ء (3) الذي كانت قريش ابتدعوه في الجاهلية بأن يكون ولادته(ع)في رجب أو شعبان و هم أوقعوا الحج في تلك السنة في أحدهما و بشعبان أوفق و الله يعلم‏ (4).

38- كَنْزُ الْكَرَاجُكِيِّ، رَوَى الْمُحَدِّثُونَ وَ سَطَرَ الْمُصَنِّفُونَ‏- أَنَّ أَبَا طَالِبٍ وَ امْرَأَتَهُ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَسَدٍ (رضوان اللّه عليهما)- لَمَّا كَفَلَا رَسُولَ اللَّهِ ص (5) اسْتَبْشَرَا بِغُرَّتِهِ‏

____________


(1) كذا في نسخ الكتاب، و في المصدر: و طوفوا بالبيت سبعا.

(2) أمالي ابن الشيخ. 80- 82.

(3) قال اللّه سبحانه: «إِنَّمَا النَّسِي‏ءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ» الآية؛ سورة التوبة 38 و قد اختلف المفسرون في معنى النسى‏ء، قال مجاهد: كان المشركون يحجون في شهر عامين، فحجوا في ذى الحجة عامين، ثمّ حجوا في المحرم عامين، ثمّ حجوا في صفر عامين و كذلك في الشهور حتّى وافقت الحجة التي قبل حجة الوداع في ذى القعدة، ثمّ حج النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في العام القابل حجة الوداع فوافقت في ذى الحجة؛ الى آخر ما ذكره و قال أبو ريحان البيرونى في الآثار الباقية ما حاصله:

إن السنة القمرية تتقدم على الشمسية عشرة أيّام تقريبا في كل عام، فإذا مضى ثلاثة اعوام صار المتأخر بمقدار شهر، و كانوا يزيدون على السنة الثالثة شهرا و يجعلون اول السنة الرابعة من صفر و يسمونه محرما، فكان يقع حجهم في تلك السنة في محرم ثمّ بعد سنتين في صفر و هكذا.


و ذكر النيشابورى في تفسيره ما يقرب من ذلك.


اذا عرفت هذا فيمكن توجيه الخبر على ما ذكره المصنّف (قدّس سرّه) الشريف، بأن يكون ولادته (عليه السلام) في رجب و المشركون أيضا أوقعوا الحجّ في تلك السنة فيه لاجل النسى‏ء، فصار ولادته (عليه السلام) في أيّام الحجّ الذي ابتدعوه لا في ذى الحجة واقعا.


و اما كونه بشعبان اوفق فلعله لاجل الرواية التي رواها صفوان الجمال عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و قد ذكرها المصنّف راجع رقم 7 من الباب ص 7.


(4) أقول: الحق الواقع في معنى النسى‏ء كما أشار إليه النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في خطبته عام حجة الوداع و شرحه المنجم الكبير أبو ريحان: أن قريشا كانوا يكبسون في كل ثلاثة اعوام شهرا لئلا يتقدم موسم الحجّ عن فصل معين قد راموه لصلاح تجاراتهم فح يصير العام الثالث عند الكبيسة ثلاثة عشر شهرا فيسمون المحرم ذى الحجة (ثانية) و يبتدءون بما بعده من الصفر فيعدون: محرم، صفر إلخ.

فمن ذلك النسى‏ء ضل حسبان الشهور و عرفانها بحيث لا يدرى متى رجب الواقعى و متى الربيع الواقعى حتّى أظهر ذلك النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) عند تمام الدور (33 عاما) و قال في خطبته عام حجة الوداع: الآن استدار الزمان كهيئته يوم خلق السماوات و الأرض، السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم إلخ فنص على ان الأشهر قد وقعت في محالها الواقعية و ان السنة اثنا عشر شهرا و لا يصير ثلاثة عشر شهرا ابدا.


و المورخون انما كتبوا و حفظوا ولادة عليّ (عليه السلام) في الثالث عشر من رجبهم لا رجب الواقعى.


و هو انما يوافق شعبان و ذلك لانه (عليه السلام) كان قد دخل عام حجة الوداع في السنة الرابعة و الثلثين فإذا رجعنا الى عام ولادته و حاسبنا لكل ثلاثة اعوام كيسة واحدة يكون تولده (عليه السلام) في ثالث عشر رجب من العام الثاني الذي اوقعوا الحجّ في المحرم فيكون ذيحجتهم في المحرم الواقعى و رجبهم في شعبان الواقعى فما بين شعبان هذا و شعبان حجة الوداع اثنان و ثلثون عاما أضف الى ذلك شهور الكبيسة و هي اثنا عشر شهرا: عاما واحدا فيكون عمره ثلاثة و ثلثين عاما الى شعبان عام حجة الوداع و حينئذ يجب القول بكون ولادته (عليه السلام) سابع شعبان كما في رواية الصفوان ص 7 و اما اختلاف المتون في تلك الاخبار فلا يخفى على الباحث الخبير أن جيلا من العلماء و الرواة لما رأوا فيما مضى من الزمان اقبال الناس الى القصص و الاساطير صنفوا في تاريخ النبيّ و الأئمّة (عليهم السلام) و غير ذلك كتبا على مذهب القصاصين من الحكماء فكانوا ياتون الى حديث صحيح في قصة ساذجة لا تزيد على خمسة أبيات فيجعلونها أكثر من خمسين بيتا. فترى واحدهم يصور قصة ولادة الرسول و زواجه بخديجة (كأبى الحسن البكرى في كتاب الأنوار) فيصورها بما يقدر عليه من الفصاحة و البلاغة و ايراد الشعر و القافية و يزينه و يزيد عليه ما يلهم إليه قوة الخيال و الذوق الشريف الادبى من الصور العجيبة التي يناسب عبقريته (صلّى اللّه عليه و آله).


و من ذلك قصص ولادة عليّ (عليه السلام) كما اثبتها المصنّف قده من الروايات فترى أحدهم بجعل رسول اللّه «قابلة» لولادته و الآخر يجعل ولادته في ذى الحجة ليخترع وجها لطيفا في تسمية «يوم التروية و يوم عرفة و يوم النحر» و آخر يأتي بقصة مثرم بن رغيب بن الشيقنام؟!! و آخر يخترع له (عليه السلام) اسامى عجيبة عند كل فريق.


فهذا و امثاله من تزيينات القصاصين و انما صوروها و صنفوها لغرض خالص ونية صالحة فلهم الاجر و مكتبهم هذا هو المكتب الذي تبعه علماء الغرب و ادبائهم في عصرنا هذا لجلب العامّة الى الحقائق التاريخية و سموه «رومانتيسم» و حقيق بذلك (ب).


(5) الغرة- بضم الغين-: اول الشي‏ء و معظمه و طلعته. و غرة الرجل: وجهه. و كل ما بدا لك من ضوء أو صبح فقد بدت غرته.

التالي ص 56/513 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...