فمن كان يبكى على الحسين أو يرثيه أو يزوره في ذاك الظرف لم يكن فعله ذلك حسرة و عزاء و تسلية فقط، بل محاربة لاعداء الدين و جهادا في سبيل اللّه مع ما يقاسونه من الجهد و البلاء و التشريد و التنكيل فحق على اللّه ان يثيب المجاهد في سبيله و يرزقه الجنة بغير حساب.
ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ و لا نصب و لا مخمصة في سبيل اللّه، و لا يطئون موطئا يغيظ الكفّار و لا ينالون من عدو نيلا الا كتب لهم به عمل صالح ان اللّه لا يضيع أجر المحسنين.
ففى مثل ذاك الزمان- كما رأينا قبل عشرين سنة في ايران- لم يكن ليبكى على الحسين و ينشد فيه الرثاء الاكل مؤمن و في، أهل التقوى و اليقين، لما في ذلك من العذاب و التنكيل، لا كل فاسق و شارب حتّى يستشكل في الأحاديث.
بل كان هؤلاء الفساق- في ذاك الظرف- مستظهرين بسلطان بنى أميّة، منحازين الى الفئة الباغية يتجسسون خلال الديار ليأخذوا على أيدي الشيعة، و يمنعوهم من احياء ذكر الحسين، كما اقتحموا دار أبي عبد اللّه الصادق بعد ما سمعوا صراخ الويل و البكاء من داره (عليه السلام).
و أمّا في زمان لا محاربة بين أهل البيت و أعدائهم كزماننا هذا فلا يصدق على ذكر الحسين و البكاء عليه عنوان الجهاد، كما أنّه لا يلقى ذاكر الحسين الا الذكر الجميل و الثناء الحسن. بل يأخذ بذلك اجرة، و الباكى على الحسين يشرف و يكرم و يقال له قدمت خير مقدم و يقدم إليه ما يشرب و يتفكه.