أم كيف تنام عينا من يخشى البيات؟ و تسكن نفس من توقع في جميع أموره الممات:
ألا لا و لكنا نغر نفوسنا* * * و تشغلنا اللذات عما نحاذر
و كيف يلذ العيش من هو موقف* * * بموقف عدل يوم تبلى السرائر
كأنا نرى أن لا نشور و أننا* * * سدى ما لنا بعد الممات مصادر
و ما عسى أن ينال صاحب الدنيا من لذتها؟ و يتمتع به من بهجتها، مع صنوف عجائبها و قوارع فجائعها، و كثرة عذابه في مصابها و طلبها، و ما يكابد من أسقامها و أوصابها و آلامها:
أما قد نرى في كل يوم و ليلة* * * يروح علينا صرفها و يباكر
تعاورنا آفاتها و همومها* * * و كم قد نرى يبقى لها المتعاور
فلا هو مغبوط بدنياه آمن* * * و لا هو عن تطلابها النفس قاصر
كم قد غرت الدنيا من مخلد إليها؟ و صرعت من مكب عليها، فلم تنعشه من عثرته و لم تنقذه من صرعته، و لم تشفه من ألمه، و لم تبره من سقمه، و لم تخلصه من وصمه.
بل أوردته بعد عزّ و منعة* * * موارد سوء ما لهن مصادر
فلما رأى أن لا نجاة و أنه* * * هو الموت لا ينجيه منه التحاذر
تندم اذ لم تغن عنه ندامة* * * عليه و أبكته الذنوب الكبائر
اذ بكى على ما سلف من خطاياه، و تحسر على ما خلف من دنياه، و استغفر حين لا ينفعه الاستغفار و لا ينجيه الاعتذار، عند هول المنية، و نزول البلية:
أحاطت به أحزانه و همومه* * * و أبلس لما أعجزته المقادر
فليس له من كربة الموت فارج* * * و ليس له ممّا يحاذر ناصر
و قد جشأت خوف المنية نفسه* * * ترددها منه اللها و الحناجر
هنالك خف عواده و أسلمه أهله و أولاده، وارتفعت البرية بالعويل، و قد أيسوا من العليل فغمضوا بأيديهم عينيه، و مد عند خروج روحه رجليه، و تخلى عنه الصديق، و الصاحب الشفيق:.