الزمان أمر موهوم منتزع عن ذاته، مما لا يجدى شيئا و لا يسمن و لا يغنى من جوع. لان الزمان إن كان أمرا موهوما فلا يمكن تأثيره في الواقعيات و إناطة البحث الحقيقي به، غاية الامر تسميته تعالى بالقديم الزمانى تسمية ليس وراءه حقيقة و لا تجاوز حدّ الاسم و الوهم و إن كان أمرا واقعيا فلا يمكن انتزاعه من ذات البارئ سبحانه و إلّا لتطرق التغير و الحدوث إليها.
و أمّا آخرية الواجب فقيل بالآخرية الزمانية بمعنى أنّه يفنى كل شيء إلّا الواجب تعالى فيكون زمان ليس فيه غيره سبحانه و لما كان ظاهر هذا القول مخالفا لظواهر الكتاب و السنة من أبدية نشأة الآخرة و خلود أهلها فسر بفناء الموجودات قبل قيام الساعة! و لقائل أن يقول: هل يكون عند فناء جميع الموجودات زمان أولا؟ فان كان فلا يكون الواجب آخرا بالنسبة إلى نفس الزمان، و إلّا فلا يكون آخرا زمانيا، على أنّه تعالى يكون على هذا آخرا بالنسبة إلى الموجودات قبل قيام الساءة لا بعده و له توال فاسدة اخرى.
و حقّ القول أن الواجب تعالى محيط بجميع العوالم، مهيمن على كافة الموجودات، و يكون وجوده أوسع و أرفع من كل الوجودات، بل هي بأسرها ظل وجوده و شعاع نوره تبارك و تعالى و ليس لها استقلال أصلا، فليس بين الوجودات الامكانية و بين وجوده السرمدى الواجب المحيط الغير المتناهى بل فوق ما لا يتناهى بما لا يتناهى نسبة، فأين المتناهى من غير المتناهى؟
و ما للتراب و ربّ الارباب؟! فكلما قويس وجود إمكانى إلى وجوده المتعالى كان من بين يديه و من خلفه، و من فوقه و من تحته، و من كل جهة من جهاته، و كل شأن من شئونه محدودا محاطا بوجوده تبارك و تعالى. فاذا لوحظ الجهة السابقة على الموجودات كان سبحانه هو الأول، و إذا لوحظ الجهة اللاحقة كان هو الآخر، و إذا لوحظ ظاهرها كان هو الباطن، و إذا لوحظ باطنها كان هو الظاهر «هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» «أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ».
(1) نهج البلاغة، ج 1،(ص)274.
(2) في بعض النسخ: و في خطبة.
(3) سيأتي من المؤلّف في بيان الخطبة أن في بعض النسخ «بدية».