الذي في تلك المرتبة هي التي تحجب ذلك الشيء من الوصول الى المرتبة العالية و إدراك ما لها من الكمال و العظمة فإذا خرج الشيء عن هذه الحدود و خلع تلك القيود أمكنه الترقى الى درجة ما فوقه فيرى عندئذ ذاته متعلقة به غير مستقلة عنه و يعرف ما له من البهاء و الشرف و الكمال و العظمة، فتلك الحدود هي الحاجبة عن حقيقة الوجود المطلقة عن كل قيد فالنفس الوالهة الى اللذائذ المادية هي المتوغلة في ظلمات الحدود و غواشى القيود، و هي ابعد النفوس عن الحق تعالى، فكلما انخلعت من القيود المادية و قطعت تعلقها عن زخارف هذه الدنيا الدنية اقتربت من عالم النور و السرور و البهاء و الحبور، حتى تتجرد تجردا ساميا فتشاهد نفسها جوهرا مجردا عن المادة و الصورة و عند ذلك خرجت عن الحجب الظلمانية، و هي حقيقة الذنوب و المعاصى و الأخلاق الذميمة، و رأسها حبّ الدنيا و الاخلاد الى أرض الطبيعة 7 و قد روى الفريقان عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) «حب الدنيا رأس كل خطيئة» لكنها بعد محتجبة بالحجب النورانية و هي ألطف و أرق و لذا كان تشخيصها أصعب، و معرفتها الى الدقة و الحذاقة أحوج، فرب سالك في هذه المسالك لما شاهد بعض المراتب الدانية زعم أنّه وصل إلى أقصى الكمالات و أرفع الدرجات، و صار ذلك سببا لتوقفه في تلك المرتبة و احتجابه بها، و نعم ما قيل:
رق الزجاج و رقت الخمر* * * فتشابها و تشابه الامر
فكأنها خمر و لا قدح* * * و كأنها قدح و لا خمر
فمن شمله عناية الحق و ساعده التوفيق فخصه اللّه بعبادته، و هيم قلبه لارادته، و فرغ فؤاده لمحبته، و أزال محبة الاغيار عن قلبه، و أشرق له نوره، و كشف له سبحات وجهه، و رفع عنه حجب كبريائه و سرادقات عزه و جلاله، و تجلى له في سره، ثمّ وفقه للاستقامة في أمره و التمكن في مقامه فارتفع عنه كل حجاب، و تعلق بعز قدس ربّ الارباب فقد هنأ عيشه و طاب حياته.