تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء السابع والخمسون 57 · الصفحة الأصلية 173 / داخلي 173 من 397
»»
[صفحة 173]
فالسجود محمول على معنى واحد و ليس من استعمال المشترك في معنييه كما عرفت سابقا و قال الرازي الرؤية هنا بمعنى العلم و في السجود وجوه أحدها قال الزجاج أجود الوجوه في سجود هذه الأمور أنها تسجد مطيعة لله تعالى و هو كقوله فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً الآية أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وَ إِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ سَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ و المعنى أن هذه الأجسام لما كانت قابلة لجميع الأعراض التي يحدثها الله تعالى فيها من غير امتناع البتة أشبهت الطاعة و الانقياد و هو السجود و أما قوله وَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ففيه وجوه أحدها أن السجود بالمعنى الذي ذكرناه و إن كان عاما في حق الكل إلا أن بعضهم تمرد و تكبر و ترك السجود في الظاهر فهذا الشخص و إن كان ساجدا بذاته لكنه متمرد بظاهره أما المؤمن فإنه ساجد بذاته و بظاهره فلأجل هذا الفرق حصل التخصيص بالذكر و ثانيها أن نقطع قوله وَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ عما قبله ثم فيه ثلاثة أوجه الأول أن نقول تقدير الآية و لله يسجد من في السماوات و الأرض و يسجد له كثير من الناس فيكون السجود الأول بمعنى الانقياد و الثاني بمعنى الطاعة و العبادة لئلا يلزم استعمال المشترك في معنييه جميعا الثاني أن يكون قوله وَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مبتدأ خبره محذوف و هو مثاب لأن خبر مقابله يدل عليه و هو قوله حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ و الثالث أن يبالغ في تكثير المحقوقين بالعذاب فيعطف كثير على كثير ثم يخبر عنهم حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ و ثالثها من يجوز استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه جميعا يقول إن المراد بالسجود في حق الأحياء العقلاء السجود و في حق الجمادات الانقياد فإن قيل قوله مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ لفظ العموم فيدخل فيه الناس فلم قال مرة أخرى وَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ قلنا لو اقتصر على ما تقدم لأوهم أن كل الناس يسجدون فبين أن كثيرا منهم يسجدون طوعا دون كثير منهم فإنه يمتنع عن ذلك.
القول الثاني في تفسير السجود أن كل ما سوى الله تعالى فهو ممكن لذاته و الممكن لذاته لا يترجح وجوده على عدمه إلا عند الانتهاء إلى الواجب لذاته كما قال