بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء السابع والخمسون 57 · صفحة 87

[صفحة 87]

مَنْدُوحَةً عَنْ وَطَنِهِ إِذَا أَحْزَنَهُ‏ (1) أَمْرٌ يَضْطَرُّهُ إِلَى الِانْتِقَالِ عَنْهُ ثُمَّ فَكِّرْ فِي خَلْقِ هَذِهِ الْأَرْضِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ حِينَ خُلِقَتْ رَاتِبَةً رَاكِنَةً فَيَكُونُ مُوَطَّناً مُسْتَقَرّاً لِلْأَشْيَاءِ فَيَتَمَكَّنُ النَّاسُ مِنَ السَّعْيِ عَلَيْهَا فِي مَآرِبِهِمْ وَ الْجُلُوسِ عَلَيْهَا لِرَاحَتِهِمْ وَ النَّوْمِ لِهُدُوئِهِمْ وَ الْإِتْقَانِ لِأَعْمَالِهِمْ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ رَجْرَاجَةً مُتَكَفِّئَةً لَمْ يَكُونُوا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُتْقِنُوا الْبِنَاءَ وَ التِّجَارَةَ وَ الصِّنَاعَةَ وَ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ بَلْ كَانُوا لَا يَتَهَنَّئُونَ بِالْعَيْشِ وَ الْأَرْضُ تَرْتَجُّ مِنْ تَحْتِهِمْ وَ اعْتَبِرْ ذَلِكَ بِمَا يُصِيبُ النَّاسَ حِينَ الزَّلَازِلِ عَلَى قِلَّةِ مَكْثِهَا حَتَّى يَصِيرُوا إِلَى تَرْكِ مَنَازِلِهِمْ وَ الْهَرَبِ عَنْهَا فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَلِمَ صَارَتْ هَذِهِ الْأَرْضُ تُزَلْزَلُ قِيلَ لَهُ إِنَّ الزَّلْزَلَةَ وَ مَا أَشْبَهَهَا مَوْعِظَةٌ وَ تَرْهِيبٌ يُرَهَّبُ بِهَا النَّاسُ لِيَرْعُوا عَنِ الْمَعَاصِي وَ كَذَلِكَ مَا يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ الْبَلَاءِ فِي أَبْدَانِهِمْ وَ أَمْوَالِهِمْ يَجْرِي فِي التَّدْبِيرِ عَلَى مَا فِيهِ صَلَاحُهُمْ وَ اسْتِقَامَتُهُمْ وَ يُدَّخَرُ لَهُمْ إِنْ صَلَحُوا مِنَ الثَّوَابِ وَ الْعِوَضِ فِي الْآخِرَةِ مَا لَا يَعْدِلُهُ شَيْ‏ءٌ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَ رُبَّمَا عُجِّلَ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا صَلَاحاً لِلْعَامَّةِ وَ الْخَاصَّةِ ثُمَّ إِنَّ الْأَرْضَ فِي طِبَاعِهَا الَّذِي طَبَعَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ بَارِدَةٌ يَابِسَةٌ وَ كَذَلِكَ الْحِجَارَةُ وَ إِنَّمَا الْفَرْقُ بَيْنَهَا وَ بَيْنَ الْحِجَارَةِ فَضْلُ يُبْسٍ فِي الْحِجَارَةِ أَ فَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ الْيُبْسَ أَفْرَطَ عَلَى الْأَرْضِ قَلِيلًا حَتَّى تَكُونَ حَجَراً صَلْداً أَ كَانَتْ تُنْبِتُ هَذَا النَّبَاتَ الَّذِي بِهِ حَيَاةُ الْحَيَوَانِ وَ كَانَ يُمْكِنُ بِهَا حَرْثٌ أَوْ بِنَاءٌ أَ فَلَا تَرَى كَيْفَ نَقَصَتْ عَنْ‏ (2) يُبْسِ الْحِجَارَةِ وَ جُعِلَتْ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنَ اللِّينِ وَ الرَّخَاوَةِ وَ لِيَتَهَيَّأَ لِلِاعْتِمَادِ وَ مِنْ تَدْبِيرِ الْحَكِيمِ جَلَّ وَ عَلَا فِي خَلْقِهِ الْأَرْضَ أَنَّ مَهَبَّ الشَّمَالِ أَرْفَعُ مِنْ مَهَبِّ الْجَنُوبِ فَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ كَذَلِكَ إِلَّا لِتَنْحَدِرَ الْمِيَاهُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَتَسْقِيَهَا وَ تَرْوِيَهَا ثُمَّ يُفِيضَ آخِرَ ذَلِكَ إِلَى الْبَحْرِ فَكَمَا يُرْفَعُ أَحَدُ جَانِبَيِ السَّطْحِ وَ يُخْفَضُ‏ (3) الْآخَرُ لِيَنْحَدِرَ الْمَاءُ عَنْهُ وَ لَا تَقُومَ عَلَيْهِ كَذَلِكَ جُعِلَ مَهَبُّ الشَّمَالِ أَرْفَعَ مِنْ مَهَبِّ الْجَنُوبِ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ بِعَيْنِهَا وَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَبَقِيَ الْمَاءُ مُتَحَيِّراً عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَكَانَ يَمْنَعُ النَّاسَ مِنْ أَعْمَالِهَا وَ يَقْطَعُ الطُّرُقَ وَ الْمَسَالِكَ ثُمَّ الْمَاءُ لَوْ لَا كَثْرَتُهُ وَ تَدَفُّقُهُ فِي الْعُيُونِ وَ الْأَوْدِيَةِ وَ الْأَنْهَارِ لَضَاقَ عَمَّا يَحْتَاجُ النَّاسُ‏


____________

(1) في بعض النسخ «حزبه» و الظاهر من بيان المؤلّف انه موافق لنسخته.

(2) من (خ).

(3) ينخفض (خ).

التالي صفحة 87 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...