بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء السابع والخمسون 57 · صفحة 215 من 519

صفحة
[صفحة 171]

بذلك انتفى تأثيرها كما أن الله تعالى أقدر العباد على أفعالهم لكن بشرط عدم تعلق إرادته القاهرة بخلافه و لذا ورد في الأخبار أنه لا يحدث شي‏ء في السماء و الأرض إلا بإذنه سبحانه قوله تعالى‏ وَ سَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَ الطَّيْرَ قال الطبرسي ره قيل معناه سيرنا الجبال مع داود حيث سار فعبر عن ذلك بالتسبيح لما فيه من الآية العظيمة التي تدعو إلى تسبيح الله و تعظيمه و تنزيهه عن كل ما لا يليق به و كذلك تسخير الطير له تسبيح يدل على أن مسخرها قادر لا يجوز عليه ما يجوز على العباد و قيل إن الجبال كانت تجاوبه بالتسبيح و كذلك الطير يسبح بالغداة و العشي معجزة له انتهى‏ (1).


و قال الرازي قال أصحاب المعاني يحتمل أن يكون تسبيح الجبال و الطير بمثابة قوله‏ وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ‏ و تخصيص داود(ع)بذلك إنما كان‏


____________


جميع الآيات و المعجزات خرق للنظام المتعارف الذي نتعاهده معاشر الناس في حياتنا و نعرف فيه أسبابا و شرائط وجودية و عدمية و معدات لكن ليس خرقا للنظام العلى و المعلولى رأسا، فجعل النار بردا مثلا ليس إبطالا للنظام السببى و المسببى الحاكم على العالم بحذافيره، بل إعمال لأسباب و شرائط لا نتعاهدها و يكفى له إيجاد مانع من تأثير النار في جسمه (عليه السلام) أو حول بدنه أو تسخير النار لايجاد البرودة كما تسخر قوة الكهرباء اليوم له، كل ذلك لا من طريق متعارف عند الناس بل بسبب إلهى و طريق غيبى و مجرى نفسى غير مشهود للعامة، و اللّه على كل شي‏ء قدير.


فان قيل: مرجع الأخير إلى أن اللّه تعالى أراد أن تتبرد النار فبردت، و هذه إبطال لسببية النار للاحراق- لعدم إمكان سببية شي‏ء واحد لضدين و متقابلين- أو التزام بحصول معلول مادى من غير حصول علته المسانخة له قلنا: الاحتراق عبارة عن تبدل الصورة تبدلا خاصا و النار معدة له لا مفيضة للصورة الحادثة، و لا يمتنع تأثيرها في ضده كما يشاهد في الكهرباء أضف الى ذلك حديث تعدّد الجهات. و أمّا استناد الحوادث إلى إرادة اللّه تعالى من غير واسطة فمخالف للسنة الإلهيّة التي لن تجد لها تبديلا و لن تجد لها تحويلا، و مستلزم للطفرة و اختلال نظام العلل و المعاليل. و الحاصل أن إرادة اللّه تعالى فوق العلل المادية و في طولها لا في رتبتها و هو القاهر فوق عباده.


(1) مجمع البيان: ج 7،(ص)58.

التالي ص 215/519 — الأصلية 171 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...