تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء السابع والخمسون 57 · صفحة 35 من 519
صفحة
[صفحة 31]
في قرارها صخور صلبة و أحجار صلدة فإذا أشرق القمر على سطح ذلك البحر وصلت مطارح شعاعاته إلى تلك الصخور و الأحجار التي في قرارها ثم انعكست من هناك راجعة فسخنت تلك المياه و حمت و لطفت و طلبت مكانا أوسع و ارتفع إلى فوق و دفع بعضها بعضا إلى فوق و تموجت إلى سواحلها و فاضت على سطوحها و رجعت مياه تلك الأنهار التي كانت تنصب إليها إلى خلف راجعة فلا يزال ذلك دأبها ما دام القمر مرتفعا إلى وتد سمائه فإذا انتهى إلى هناك و أخذ ينحط سكن عند ذلك غليان تلك المياه و بردت و انضمت تلك الأجزاء و غلظت فرجعت إلى قرارها و جرت الأنهار على عادتها فلا يزال ذلك دأبها إلى أن يبلغ القمر إلى الأفق الغربي من تلك البحار ثم يبتدئ المد على عادته و هو في الأفق الشرقي فلا يزال ذلك دأبه حتى يبلغ القمر إلى وتد الأرض فينتهي المد من الرأس ثم إذا زال القمر من وتد الأرض أخذ المد راجعا إلى أن يبلغ القمر إلى أفقه الشرقي من الرأس فإن قيل لم لا يكون المد و الجزر عند طلوعات الشمس و إشرافاتها على سطح هذه البحار فقد بينا علل ذلك في رسالة العلل و المعلولات انتهى.
و قال المسعودي في مروج الذهب المدّ هو مضي الماء بسجيته و سنن جريه و الجزر هو رجوع الماء على ضد سنن مضيه و انعكاس ما يمضي عليه في نهجه و هما يكونان في البحر الحبشي (1) الذي هو الصيني و الهندي و بحر البصرة و فارس و ذلك أن البحار على ثلاثة أصناف منها ما يأتي فيه الجزر و المد و يظهر ظهورا بينا و منها ما لا يتبين فيه الجزر و المد و يكون خفيا مستترا و منها ما لا يجزر و لا يمد و قد تنازع الناس في علتهما فمنهم من ذهب إلى أن علة ذلك القمر لأنه مجانس للماء و هو يسخنه فيبسط و شبهوا ذلك بالنار إذا سخنت ما في القدر و أغلته و إن الماء يكون فيها على قدر النصف أو الثلثين فإذا غلى الماء انبسط في القدر و ارتفع و تدافع حتى يفور فتتضاعف كميته في الحس لأن من شرط الحرارة أن تبسط الأجسام و من شرط
____________
(1) في المصدر: و انكشاف ما مضى عليه في هيجه و ذلك كبحر الحبش ...