بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الثامن والخمسون 58 · صفحة 257 من 337

[صفحة 257]

كَيْفَ كَانَتْ تَكُونُ حَالُهُ وَ كَمْ مِنْ خَلَلٍ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ فِي أُمُورِهِ وَ مَعَاشِهِ وَ تَجَارُبِهِ إِذَا لَمْ يَحْفَظْ مَا لَهُ وَ عَلَيْهِ وَ مَا أَخَذَهُ وَ مَا أَعْطَى وَ مَا رَأَى وَ مَا سَمِعَ وَ مَا قَالَ وَ مَا قِيلَ لَهُ وَ لَمْ يَذْكُرْ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ مِمَّنْ أَسَاءَهُ وَ مَا نَفَعَهُ مِمَّا ضَرَّهُ ثُمَّ كَانَ لَا يَهْتَدِي لِطَرِيقٍ لَوْ سَلَكَهُ مَا لَا يُحْصَى وَ لَا يَحْفَظُ عِلْماً وَ لَوْ دَرَسَهُ عُمُرَهُ وَ لَا يَعْتَقِدُ دِيناً وَ لَا يَنْتَفِعُ بِتَجْرِبَةٍ وَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعْتَبِرَ شَيْئاً عَلَى مَا مَضَى بَلْ كَانَ حَقِيقاً أَنْ يَنْسَلِخَ مِنَ الْإِنْسَانِيَّةِ أَصْلًا فَانْظُرْ إِلَى النِّعْمَةِ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي هَذِهِ الْخِلَالِ أَوْ كَيْفَ مَوْقِعُ الْوَاحِدَةِ مِنْهَا دُونَ الْجَمِيعِ وَ أَعْظَمُ مِنَ النِّعْمَةِ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي الْحِفْظِ النِّعْمَةُ فِي النِّسْيَانِ فَإِنَّهُ لَوْ لَا النِّسْيَانُ لَمَا سَلَا أَحَدٌ عَنْ مُصِيبَةٍ وَ لَا انْقَضَتْ لَهُ حَسْرَةٌ وَ لَا مَاتَ لَهُ حِقْدٌ وَ لَا اسْتَمْتَعَ بِشَيْ‏ءٍ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا مَعَ تَذَكُّرِ الْآفَاتِ وَ لَا رَجَاءُ غَفْلَةٍ مِنْ سُلْطَانٍ وَ لَا فَتْرَةٌ مِنْ حَاسِدٍ أَ فَلَا تَرَى كَيْفَ جُعِلَ فِي الْإِنْسَانِ الْحِفْظُ وَ النِّسْيَانُ وَ هُمَا مُخْتَلِفَانِ مُتَضَادَّانِ جُعِلَ لَهُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا ضَرْبٌ مِنَ الْمَصْلَحَةِ وَ مَا عَسَى أَنْ يَقُولَ الَّذِينَ قَسَّمُوا الْأَشْيَاءَ بَيْنَ خَالِقَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْمُتَضَادَّةِ الْمُتَبَايِنَةِ وَ قَدْ تَرَاهَا تَجْمَعُ عَلَى مَا فِيهِ الصَّلَاحُ وَ الْمَنْفَعَةُ انْظُرْ يَا مُفَضَّلُ إِلَى مَا خُصَّ بِهِ الْإِنْسَانُ دُونَ جَمِيعِ الْحَيَوَانِ مِنْ هَذَا الْخَلْقِ الْجَلِيلِ قَدْرُهُ الْعَظِيمِ غَنَاؤُهُ أَعْنِي الْحَيَاءَ فَلَوْلَاهُ لَمْ يُقْرَ ضَيْفٌ وَ لَمْ يُوفَ بِالْعِدَاتِ وَ لَمْ تُقْضَ الْحَوَائِجُ وَ لَمْ يُتَحَرَّ الْجَمِيلُ وَ لَمْ يُتَنَكَّبِ الْقَبِيحُ فِي شَيْ‏ءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ حَتَّى إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأُمُورِ الْمُفْتَرَضَةِ أَيْضاً إِنَّمَا يُفْعَلُ لِلْحَيَاءِ فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ [مَنْ لَوْ لَا الْحَيَاءُ لَمْ يَرْعَ حَقَّ وَالِدَيْهِ وَ لَمْ يَصِلْ ذَا رَحِمٍ وَ لَمْ يُؤَدِّ أَمَانَةً وَ لَمْ يَعِفَّ عَنْ فَاحِشَةٍ أَ فَلَا تَرَى كَيْفَ وُفِّيَ الْإِنْسَانُ جَمِيعَ الْخِلَالِ الَّتِي فِيهَا صَلَاحُهُ وَ تَمَامُ أَمْرِهِ تَأَمَّلْ يَا مُفَضَّلُ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ بِهِ عَلَى الْإِنْسَانِ مِنْ هَذَا النُّطْقِ الَّذِي يُعَبِّرُ بِهِ عَمَّا فِي ضَمِيرِهِ وَ مَا يَخْطُرُ بِقَلْبِهِ وَ يُنْتِجُهُ فِكْرُهُ وَ بِهِ يَفْهَمُ مِنْ غَيْرِهِ مَا فِي نَفْسِهِ وَ لَوْ لَا ذَلِكَ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْبَهَائِمِ الْمُهْمَلَةِ الَّتِي لَا تُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهَا بِشَيْ‏ءٍ وَ لَا تَفْهَمُ عَنْ مُخْبِرٍ شَيْئاً وَ كَذَلِكَ الْكِتَابَةُ الَّتِي بِهَا تُقَيَّدُ أَخْبَارُ الْمَاضِينَ لِلْبَاقِينَ وَ أَخْبَارُ الْبَاقِينَ لِلْآتِينَ وَ بِهَا تُخَلَّدُ الْكُتُبُ فِي الْعُلُومِ وَ الْآدَابِ وَ غَيْرِهَا وَ بِهَا يَحْفَظُ الْإِنْسَانُ ذِكْرَ مَا يَجْرِي بَيْنَهُ وَ بَيْنَ غَيْرِهِ مِنَ الْمُعَامَلَاتِ وَ الْحِسَابِ وَ لَوْلَاهُ لَانْقَطَعَ أَخْبَارُ بَعْضِ الْأَزْمِنَةِ


التالي صفحة 257 من 337 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...