بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الثامن والخمسون 58 · صفحة 329 من 337

[صفحة 329]

الْمَوَاضِعَ خَالِيَةً مِنْهُ لِهَذَا السَّبَبِ بِعَيْنِهِ فَتَأَمَّلِ الْخِلْقَةَ كَيْفَ تَتَحَرَّزُ وُجُوهَ الْخَطَاءِ وَ الْمَضَرَّةِ وَ تَأْتِي بِالصَّوَابِ وَ الْمَنْفَعَةِ إِنَّ الْمَنَّانِيَّةَ (1) وَ أَشْبَاهَهُمْ حِينَ اجْتَهَدُوا فِي عَيْبِ الْخِلْقَةِ وَ الْعَمْدِ عَابُوا الشَّعْرَ النَّابِتَ عَلَى الرَّكَبِ وَ الْإِبْطَيْنِ وَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ رُطُوبَةٍ تَنْصَبُّ إِلَى هَذِهِ الْمَوَاضِعِ فَيَنْبُتُ فِيهَا الشَّعْرُ كَمَا يَنْبُتُ الْعُشْبُ فِي مُسْتَنْقَعِ الْمِيَاهِ أَ فَلَا تَرَى إِلَى هَذِهِ الْمَوَاضِعِ أَسْتَرُ وَ أَهْيَأُ لِقَبُولِ تِلْكَ الْفَضْلَةِ مِنْ غَيْرِهَا ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ تُعَدُّ مِمَّا يَحْمِلُ الْإِنْسَانُ مِنْ مَئُونَةِ هَذَا الْبَدَنِ وَ تَكَالِيفِهِ لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَصْلَحَةِ فَإِنَّ اهْتِمَامَهُ بِتَنْظِيفِ بَدَنِهِ وَ أَخْذِ مَا يَعْلُوهُ مِنَ الشَّعْرِ مِمَّا يَكْسِرُ بِهِ شِرَّتَهُ وَ يَكُفُّ عَادِيَتَهُ وَ يَشْغَلُهُ عَنْ بَعْضِ مَا يُخْرِجُهُ إِلَيْهِ الْفَرَاغُ مِنَ الْأَشَرِ وَ الْبِطَالَةِ تَأَمَّلِ الرِّيقَ وَ مَا فِيهِ مِنَ الْمَنْفَعَةِ فَإِنَّهُ جُعِلَ يَجْرِي جَرَيَاناً دَائِماً إِلَى الْفَمِ لِيَبُلَّ الْحَلْقَ وَ اللَّهَوَاتِ فَلَا يَجِفَّ فَإِنَّ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ لَوْ جُعِلَتْ كَذَلِكَ كَانَ فِيهِ هَلَاكُ الْإِنْسَانِ ثُمَّ كَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُسِيغَ طَعَاماً إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْفَمِ بِلَّةٌ تُنْفِذُهُ تَشْهَدُ بِذَلِكَ الْمُشَاهَدَةُ وَ اعْلَمْ أَنَّ الرُّطُوبَةَ مَطِيَّةُ الْغِذَاءِ وَ قَدْ تَجْرِي مِنْ هَذِهِ الْبِلَّةِ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ الْمِرَّةِ فَيَكُونُ فِي ذَلِكَ صَلَاحٌ تَامٌّ لِلْإِنْسَانِ وَ لَوْ يَبِسَتِ الْمِرَّةُ لَهَلَكَ الْإِنْسَانُ وَ لَقَدْ قَالَ قَوْمٌ مِنْ جَهَلَةِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَ ضَعَفَةِ الْمُتَفَلْسِفِينَ بِقِلَّةِ التَّمْيِيزِ وَ قُصُورِ الْعِلْمِ لَوْ كَانَ بَطْنُ الْإِنْسَانِ كَهَيْئَةِ الْقَبَاءِ يَفْتَحُهُ الطَّبِيبُ إِذَا شَاءَ فَيُعَايِنُ مَا فِيهِ وَ يُدْخِلُ يَدَهُ فَيُعَالِجُ مَا أَرَادَ عِلَاجَهُ أَ لَمْ يَكُنْ أَصْلَحَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُصْمَتاً مَحْجُوباً عَنِ الْبَصَرِ وَ الْيَدِ لَا يُعْرَفُ مَا فِيهِ إِلَّا بِدَلَالاتٍ غَامِضَةٍ كَمِثْلِ النَّظَرِ إِلَى الْبَوْلِ وَ حِسِّ الْعِرْقِ وَ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْثُرُ فِيهِ الْغَلَطُ وَ الشُّبْهَةُ حَتَّى رُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ سَبَباً لِلْمَوْتِ فَلَوْ عَلِمَ هَؤُلَاءِ الْجَهَلَةُ أَنَّ هَذَا لَوْ كَانَ هَكَذَا كَانَ أَوَّلَ مَا فِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَسْقُطُ عَنِ الْإِنْسَانِ الْوَجَلُ مِنَ الْأَمْرَاضِ وَ الْمَوْتِ وَ كَانَ يَسْتَشْعِرُ الْبَقَاءَ وَ يَغْتَرُّ بِالسَّلَامَةِ فَيُخْرِجُهُ ذَلِكَ إِلَى الْعُتُوِّ وَ الْأَشَرِ ثُمَّ كَانَتِ الرُّطُوبَاتُ الَّتِي فِي الْبَطْنِ تَتَرَشَّحُ وَ تَتَحَلَّبُ فَيُفْسِدُ عَلَى الْإِنْسَانِ مَقْعَدَهُ وَ مَرْقَدَهُ وَ ثِيَابَ بِذْلَتِهِ وَ زِينَتِهِ بَلْ كَانَ يُفْسِدُ عَلَيْهِ عَيْشَهُ‏


____________

(1) في بعض النسخ «المنابية» بتقديم الموحدة التحتانية على المثناة الفوقانية، و في بعضها «المانوية».

التالي صفحة 329 من 337 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...