بيان قال في النهاية فيه الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف و ما تناكر منها اختلف (3) مجندة أي مجموعة كما يقال ألوف مؤلفة و قناطير مقنطرة و معناه الإخبار عن مبدإ كون الأرواح و تقدمها على الأجساد أي أنها خلقت أول خلقها على قسمين من ائتلاف و اختلاف كالجنود المجموعة إذا تقابلت و تواجهت و معنى تقابل الأرواح ما جعلها الله عليه من السعادة و الشقاوة و الأخلاق في مبدإ الخلق يقول إن الأجساد التي فيها الأرواح تلتقي في الدنيا فتأتلف و تختلف على حسب ما خلقت عليه و لهذا ترى الخيّر يحب الأخيار و يميل إليهم و الشرير يحب الأشرار و يميل إليهم انتهى.
و قال الكرماني في شرح البخاري أي خلقت مجتمعة ثم فرقت في أجسامها فمن وافق الصفة ألفه و من باعد نافره و قال الخطابي خلقت قبلها فكانت تلتقي فلما التبست بها تعارفت بالذكر الأول فصار كل إنما يعرف و ينكر على ما سبق له من العهد و قال النووي مجندة أي جموع مجتمعة و أنواع مختلفة و تعارفها لأمر جعلها الله عليه و قيل موافقة صفاتها و تناسبها في شيمها و قال الطيبي الفاء في فما تعارف تدل على تقدم اشتباك في الأزل ثم تفرق فيما لا يزال أزمنة متطاولة ثم ائتلاف بعد تناكر كمن فقد أنيسه ثم اتصل به فلزمه و أنس به و إن لم يسبق له اختلاط معه اشمأز منه و دل التشبيه بالجنود على أن ذلك الاجتماع في الأزل كان لأمر عظيم من فتح بلاد و قهر أعداء و دل على أن أحد الحزبين حزب الله و الآخر
____________
(1) الأعراف: 171.
(2) العلل: ج 1،(ص)80.
(3) قد مر منا بيان موجز في شرح الحديث في ذيل الرواية الرابعة من الباب السابق فراجع.