تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الثامن والخمسون 58 · صفحة 223 من 405
صفحة
[صفحة 196]
أن نذكر هاهنا بعض أقوال المتكلمين و الحكماء ثم نبين ما ظهر لنا فيه من أخبار أئمة الأنام ع.
فأما الحكماء فقد بنوا ذلك على ما أسسوه من انطباع صور الجزئيات في النفوس المنطبعة الفلكية و صور الكليات في العقول المجردة و قالوا إن النفس في حالة النوم قد تتصل بتلك المبادئ العالية فتحصل لها بعض العلوم الحقة الواقعة فهذه هي الرؤيا الصادقة و قد يركب المتخيلة بعض الصور المخزونة في الخيال ببعض فهذه هي الرؤيا الكاذبة و قال بعضهم إن للنفوس الإنسانية اطلاعا على الغيب في حال المنام و ليس أحد من الناس إلا و قد جرب ذلك من نفسه تجارب أوجبته التصديق و ليس ذلك بسبب الفكر فإن الفكر في حال اليقظة التي هو فيها أمكن يقصر عن تحصيل مثل ذلك فكيف في حال النوم بل بسبب أن النفوس الإنسانية لها مناسبة الجنسية إلى المبادئ العالية المنتقشة بجميع ما كان و ما سيكون و ما هو كائن في الحال و لها أن تتصل بها اتصالا روحانيا و أن تنتقش بما هو مرتسم فيها لأن اشتغال النفس ببعض أفاعيلها يمنعها عن الاشتغال بغير تلك الأفاعيل و ليس لنا سبيل إلى إزالة عوائق النفس بالكلية عن الانتقاش بما في المبادئ العالية لأن أحد العائقين هو اشتغال النفس بالبدن و لا يمكن لنا إزالة هذا العائق بالكلية ما دام البدن صالحا لتدبيرها إلا أنه قد يسكن
____________
إما أن يكون أمرا عقليا محضا، أو مثاليا برزخيا، و لا يكون أمرا ماديا البتة، للقطع بعدم حصول ارتباط مادى بين الإنسان و بين موجود مادى آخر ممّا يقع تحت الحواس في حال النوم بحيث يمكن إسناد تلك العلوم إليه بوجه. فعلى فرض جعل المشارك للنفس امرا عقليا يصير الرؤيا اتصالا للنفس بموجود عقلي في المنام و تمثل ما تستفيد منه حسب استعدادها بصور جزئية في عالمها المثالى. و ان شئت قلت: فى ساحة الحواس الباطنة و لوح الذهن و على فرض جعل المشارك أمرا مثاليا بصير الرؤيا إشرافا للنفس على عالم المثال و مشاهدة أمور هناك مباشرة.
و كلاهما ممّا يصحّ فرضه عقلا، و لا ينفيه دليل شرعى، بل يوجد في الاخبار ما يؤيدهما بل يدل عليهما، فعليك باجادة التدبر فيها. و سيأتي في المتن أقوال عدة من العلماء و الباحثين تعرف مواقع النظر فيها ممّا تلونا عليك، فلا نتصدى لنقدها بالتفصيل حذرا من التطويل.