تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الستون 60 · صفحة 385 من 389
صفحة
[صفحة 346]
و أما المعتزلة فقد عولوا على أنا إن جوزنا ذلك لجوزنا أن يكون بحضرتنا طبلات و بوقات و لا نراها و لا نسمعها و إذا عارضناهم بسائر الأمور العادية و قلنا لهم فجوزوا أن يقال انقلبت مياه البحار ذهبا و فضة و الجبال ياقوتا و زبرجدا و حصل (1) في السماء حال ما غمضت العين ألف شمس و قمر ثم كما فتحت العين أعدمها الله تعالى عجزوا عن الفرق و السبب في هذا التشويش أن هؤلاء المعتزلة نظروا إلى هذه الأمور المطردة في مناهج العادات فزعموا (2) أن بعضها واجبة و بعضها غير واجبة فلما لم يجدوا قانونا مستقيما و مأخذا سليما بين البابين تشوش الأمر عليهم بل الواجب أن يسوى بين الكل فيحكم على الكل بالوجوب كما هو قول الفلاسفة أو على الكل بعدم الوجوب كما هو قول الأشعري فأما التحكم في الفرق فهو بعيد.
إذا ثبت هذا ظهر جواز القول بالجن و أن أجسامهم و إن كانت كثيفة قوية إلا أنه لا يمتنع أن لا نراها و إن كانوا حاضرين هذا على قول الأشعري فهذا هو تفصيل هذه الوجوه.
و أنا متعجب من هؤلاء المعتزلة أنهم كيف يصدقون ما جاء في القرآن من إثبات الملك و الجن مع استمرارهم على مذاهبهم و ذلك لأن القرآن دل على أن للملائكة قوة عظيمة على الأفعال الشاقة و الجن أيضا كذلك و هذه القدرة لا تثبت إلا في الأعضاء الكثيفة الصلبة فإذا يجب في الملك و الجن أن يكونوا كذلك ثم إن هؤلاء الملائكة حاضرون عندنا أبدا و هم الكرام الكاتبون و الحفظة و يحضرون أيضا عند قبض الأرواح و قد كانوا يحضرون عند الرسول(ص)و إن أحدا من القوم ما كان يراهم و كذلك الناس الجالسون عند من يكون في النزع لا يرون أحدا فإن وجبت رؤية الكثيف عند الحضور فلم لا نراها و إن لم تجب الرؤية فقد بطل مذهبهم و إن كانوا موصوفين بالقوة و الشدة مع عدم الكثافة و الصلابة فقد بطل قولهم إن البنية شرط الحياة فإن قالوا إنها أجسام لطيفة و لكنها للطافتها لا تقدر على الأعمال الشاقة فهذا إنكار لصريح القرآن و بالجملة فحالهم في الإقرار بالملك و الجن مع هذه المذاهب عجيبة (3).