و استدلت جماعة من أهل التناسخ بهذه الآية على أن البهائم و الطيور مكلفة لقوله أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ و هذا باطل لأنا قد بينا أنها من أي جهة تكون أمثالنا و لو وجب حمل ذلك على العموم لوجب أن تكون أمثالنا في كونها على مثل صورنا و هيئاتنا و خلقتنا و أخلاقنا فكيف يصح تكليف البهائم و هي غير عاقلة و التكليف لا يصح إلا مع كمال العقل انتهى (3).
و قال الرازي للفضلاء فيه قولان.
الأول أنه تعالى يحشر البهائم و الطيور لإيصال الأعواض إليها و هو قول المعتزلة و ذلك لأن إيصال الآلام إليها من غير سبق جناية لا يحسن إلا للعوض و لما كان إيصال العوض إليها واجبا فالله تعالى يحشرها ليوصل تلك الأعواض إليها.
و القول الثاني قول أصحابنا إن الإيجاب على الله تعالى محال بل الله يحشرها بمجرد الإرادة و المشية و مقتضى الإلهية.
و احتجوا على أن القول بوجوب العوض على الله تعالى باطل بأمور. الأول أن الوجوب عبارة عن كونه مستلزما للذم عند الترك و كونه تعالى مستلزما للذم محال لأنه كامل لذاته و الكامل لذاته لا يعقل كونه مستحقا للذم بسبب أمر منفصل لأن ما يكون لازما بالذات لا يبطل عند عروض أمر من الخارج (4).
الثاني أنه لو حسن إيصال الضرر إلى الغير لأجل العوض لوجب أن يحسن منا إيصال المضار إلى الغير لأجل التزام العوض من غير رضاه و ذلك باطل فثبت أن القول بالعوض باطل.
إذا عرفت هذا فلنذكر بعض التفاريع الذي ذكرها القاضي في هذا الباب.
____________
(1) الظاهر الحديث ينتهى بقوله: بينهما، و بعده من كلام الطبرسيّ.
(2) في المصدر: و الاقتصاص.
(3) مجمع البيان 4: 297 و 298.
(4) زاد في المصدر حجة أخرى و هي انه تعالى مالك لكل المحدثات، و المالك يحسن تصرفه في ملك نفسه من غير حاجة الى العوض.