تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الحادي والستون 61 · صفحة 120 من 658
صفحة
[صفحة 87]
و كيف يجوز أن يكون ذلك في الهدهد و هو غير مكلف و لا يستحق مثله العذاب فالجواب عنه أن العذاب اسم للضرر الواقع و إن لم يكن مستحقا فليس يجري مجرى العقاب الذي لا يكون إلا جزاء على أمر تقدم فليس يمتنع أن يكون معنى لأعذبنه أي لأؤلمنه و يكون الله تعالى قد أباحه الإيلام له كما أباحه الذبح له لضرب من المصلحة كما سخر له الطير يصرفها في منافعه و أغراضه و كل هذا لا ينكر في نبي مرسل تخرق له العادات و تظهر على يده المعجزات و إنما يشتبه على قوم يظنون أن هذه الحكايات تقتضي كون النملة و الهدهد مكلفين و قد بينا أن الأمر بخلاف ذلك (1).
و قال (قدس الله روحه) أيضا في جواب المسائل الطرابلسيات فأما الاستبعاد في النملة أن تنذر باقي النمل بالانصراف عن الموضع و التعجب من فهم النملة عن الأخرى و من أن يخبر عنها بما نطق القرآن به من قوله يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا الآية فهو في غير موضعه لأن البهيمة قد تفهم عن الأخرى بصوت يقع منها أو فعل كثيرا من أغراضها و لهذا نجد الطيور و كثيرا من البهائم يدعو الذكر منها الأنثى بضرب من الصوت يفرق بينه و بين غيره من الأصوات التي لا تقتضي الدعاء و الأمر في ضروب الحيوانات و فهم بعضها عن بعض مرادها و أغراضها بفعل يظهر أو صوت يقع أظهر من أن يخفى و التغابي عن ذلك مكابرة فما المنكر على هذا أن يفهم باقي النمل من تلك النملة التي حكي عنها ما حكي الإنذار و التخويف فقد نرى مرارا نملة تستقبل أخرى و هي متوجهة إلى جهة فإذا حاذتها و باشرها عادت عن جهتها و رجعت معها و تلك الحكاية البليغة الطويلة لا يجب أن تكون النملة قائلة لها و لا ذاهبة إليها و إنها لما خوفت من الضرر الذي أشرف النمل عليه جاز أن يقول الحاكي لهذه الحال تلك الحكاية البليغة المرتبة لأنها لو كانت قائلة ناطقة و مخوفة بلسان و بيان لما قالت إلا مثل ذلك و قد يحكي العربي عن الفارسي كلاما مرتبا مهذبا