و من طبعه أنه يألف وكره و لو أرسل من ألف فرسخ و يحمل الأخبار و يأتي بها من المسافة البعيدة (1) في المدة القريبة و فيه ما يقطع ثلاثة آلاف فرسخ في يوم واحد و ربما اصطيد و غاب عن وطنه عشر حجج و أكثر ثم هو على ثبات عقله و قوة حفظه و نزوعه إلى وطنه حتى يجد فرصة فيصير إليه و سباع الطير تطلبه أشد طلب و خوفه من الشواهين أشد من خوفه من غيره و هو أطير منه و من سائر الطير كله لكنه يذعر منه و يعتريه ما يعتري الحمار إذا رأى الأسد و الشاة إذا رأت الذئب و الفأر إذا رأت الهر و من عجيب الطبيعة فيه ما حكاه ابن قتيبة في عيون الأخبار عن المثنى بن زهير أنه قال لم أر شيئا قط من رجل و امرأة إلا و قد رأيته في الحمام ما رأيت حمامة إلا تريد ذكرها و لا ذكرا إلا يريد أنثاه إلى أن يهلك أحدهما أو يفقد و رأيت حمامة تتزين للذكر ساعة يريدها و رأيت حمامة لها زوج و هي تمكن آخر ما تعدوه و رأيت حمامة تقمط (2) حمامة و يقال إنها تبيض عن ذلك لكن لا يكون لذلك البيض فراخ و رأيت ذكرا يقمط ذكرا و رأيت ذكرا يقمط من كل لقى (3) و لا يزوج و أنثى يقمطها كل من رآها من الذكور و لا تزوج (4) و ليس من الحيوان ما يستعمل التقبيل عند السفاد إلا الإنسان و الحمام و هو عفيف السفاد يجر ذنبه ليعفي أثر الأنثى كأنه قد علم ما فعلت و يجتهد في إخفائه (5) و قد يسفد لتمام ستة أشهر و الأنثى تحضن (6) أربعة عشر يوما و تبيض
____________
(1) في المصدر: من البلاد البعيدة.
(2) قمطه طعم الشيء: ذاقه.
(3) في المصدر: و رأيت ذكرا يقمط كل ما لقى و لا يزاوج.