تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الرابع والستون 64 · صفحة 162 من 424
صفحة
[صفحة 141]
فكل العالم تصنيف الله تعالى فمن نظر إليها من حيث إنها فعل الله و عرفها من حيث إنها فعل الله و أحبها من حيث إنها فعل الله لم يكن ناظرا إلا في الله و لا عارفا إلا بالله و لا محبا إلا لله و كان هو الموحد الحق الذي لا يرى إلا الله بل لا ينظر إلى نفسه من حيث نفسه بل من حيث هو عبد الله فهذا هو الذي يقال فيه إنه فني في التوحيد و إنه فني في نفسه و إليه الإشارة بقول من قال كنا بنا ففنينا عنا فبقينا بلا نحن.
فهذه أمور معلومة عند ذوي البصائر أشكلت لضعف الأفهام عن دركها و قصور قدرة العلماء عن إيضاحها و بيانها بعبارة مفهمة موصلة للغرض إلى الأفهام و لاشتغالهم بأنفسهم و اعتقادهم أن بيان ذلك لغيرهم مما لا يغنيهم.
فهذا هو السبب في قصور الأفهام عن معرفة الله تعالى و انضم إليه أن المدركات كلها التي هي شاهدة على الله إنما يدركها الإنسان في الصبي عند فقد العقل قليلا قليلا و هو مستغرق الهم بشهواته و قد أنس بمدركاته و محسوساته إلفها فسقط وقعها عن قلبه بطول الأنس و لذلك إذا رأى على سبيل الفجأة حيوانا غريبا أو فعلا من أفعال الله خارقا للعادة عجيبا انطلق لسانه بالمعرفة طبعا فقال سبحان الله و هو يرى طول النهار نفسه و أعضاءه و سائر الحيوانات المألوفة و كلها شواهد قاطعة و لا يحس بشهادتها لطول الأنس بها و لو فرض أكمه بلغ عاقلا ثم انقشعت الغشاوة عن عينه فامتد بصره إلى السماء و الأرض و الأشجار و النبات و الحيوان دفعة واحدة على سبيل الفجأة يخاف على عقله أن ينبهر لعظم تعجبه من شهادة هذه العجائب على خالقها.
و هذا و أمثاله من الأسباب مع الانهماك في الشهوات و هي التي سدت على الخلق سبيل الاستضاءة بأنوار المعرفة و السباحة في بحارها الواسعة و الجليات إذا صارت مطلوبة صارت معتاصة (1) فهذا سد الأمر فليتحقق و لذلك قيل