بيان: في القاموس جبلهم الله يجبل و يجبل خلقهم و على الشيء طبعه و جبره كأجبله (2) فإذا هو دعا فيه حث على الدعاء لحسن العاقبة و عدم الزيغ كما كان دأب الصالحين قبلنا و فيه دلالة أيضا على أن الإتمام و السلب مسببان عن فعل الإنسان لأنه يصير بذلك مستحقا للتوفيق و الخذلان.
و جملة القول في ذلك أن كل واحد من الإيمان و الكفر قد يكون ثابتا و قد يكون متزلزلا يزول بحدوث ضده لأن القلب إذا اشتد ضياؤه و كمل صفاؤه استقر الإيمان و كل ما هو حق فيه و إذا اشتدت ظلمته و كملت كدورته استقر الكفر و كل ما هو باطل فيه و إذا كان بين ذلك باختلاط الضياء و الظلمة فيه كان مترددا بين الإقبال و الإدبار و مذبذبا بين الإيمان و الكفر فإن غلب الأول دخل الإيمان فيه من غير استقرار و إن غلب الثاني دخل الكفر فيه كذلك و ربما يصير الغالب مغلوبا فيعود من الإيمان إلى الكفر و من الكفر إلى الإيمان فلا بد للعبد من مراعاة قلبه فإن رآه مقبلا إلى الله عز و جل شكره و بذل جهده و طلب منه الزيادة لئلا يستدبر و ينقلب و يزيغ عن الحق كما ذكر سبحانه عن قوم صالحين رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَ هَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (3) و إن رآه مدبرا زائغا عن الحق تاب و استدرك ما فرط فيه و توكل على الله و توسل إليه بالدعاء و التضرع لتدركه العناية الربانية فتخرجه من الظلمات إلى النور و إن لم يفعل ربما سلط عليه عدوه الشيطان و استحق من ربه الخذلان فيموت مسلوب الإيمان كما قال سبحانه فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ (4) أعاذنا الله من ذلك و سائر أهل الإيمان.