و أقول ينبغي أن يعلم أن ما تهواه النفس ليس كله مذموما و ما لا تهواه النفس ليس كله ممدوحا بل المعيار ما مر في باب ذم الدنيا (3) و هو أن كل ما يرتكبه الإنسان لمحض الشهوة النفسانية و اللذة الجسمانية و المقاصد الفانية الدنيوية و لم يكن الله مقصودا له في ذلك فهو من الهوى المذموم و يتبع فيه النفس الأمارة بالسوء و إن كان مشتملا على زجر النفس عن بعض المشتهيات أيضا كمن يترك لذيذ المآكل و المطعم و الملبس و يقاسي الجوع و الصوم و السهر للاشتهار بالعبادة و جلب قلوب الجهال و ما يرتكبه الإنسان لإطاعة أمره سبحانه و تحصيل رضاه و إن كان مما تشتهيه نفسه و تهواه فليس هو من الهوى المذموم كمن يأكل و يشرب لأمره تعالى بهما أو لتحصيل القوة على العبادة و كمن يجامع الحلال لكونه مأمورا به أو لتحصيل الأولاد الصالحين أو لعدم ابتلائه بالحرام.
فهؤلاء و إن حصل لهم الالتذاذ بهذه الأمور لكن ليس مقصودهم محض اللذة بل لهم في ذلك أغراض صحيحة إن صدقتهم أنفسهم و لم تكن تلك من التسويلات النفسانية و التخييلات الشيطانية و لو لم يكن غرضهم من ارتكاب تلك اللذات هذه الأمور فليسوا بمعاقبين في ذلك إذا كان حلالا لكن إطاعة النفس في أكثر ما تشتهيه قد ينجر إلى ارتكاب الشبهات و المكروهات ثم إلى المحرمات و من حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه.
فظهر أن كل ما تهواه النفس ليس مما يلزم اجتنابه فإن كثيرا من العلماء قد يلتذون بعلمهم أكثر مما يلتذ الفساق بفسقهم كثيرا من العباد يأنسون بالعبادات بحيث يحصل لهم الهم العظيم بتركها و ليس كل ما لا تشتهيه النفس