تبيين اعلم أن معرفة القلب و حقيقته و صفاته مما خفي على أكثر الخلق و لم يبين أئمتنا(ع)ذلك إلا بكنايات و إشارات و الأحوط لنا أن نكتفي من ذلك بما بينوه لنا من صلاحه و فساده و آفاته و درجاته و نسعى في تكميل هذه الخلقة العجيبة و اللطيفة الربانية و تهذيبها عن الصفات الذميمة الشيطانية و تحليتها بالأخلاق الملكية الروحانية لنستعد بذلك للعروج إلى أعلى مدارج الكمال و إفاضة المعارف من حضرة ذي الجلال و لا يتوقف ذلك على معرفة حقيقة القلب ابتداء فإنه لو كان متوقفا على ذلك لأوضح موالينا و أئمتنا(ع)لنا ذلك بأوضح البيان و حيث لم يبينوا ذلك لنا فالأحوط بنا أن نسكت عما سكت عنه الكريم المنان لكن نذكر هنا بعض ما قيل في هذا المقام و نكتفي بذلك وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ فاعلم أن المشهور بين الحكماء و من يسلك مسلكهم أن المراد بالقلب النفس الناطقة و هي جوهر روحاني متوسط بين العالم الروحاني الصرف و العالم الجسماني يفعل فيما دونه و ينفعل عما فوقه و إثبات الأذن له على الاستعارة و التشبيه.
قال بعض المحققين القلب شرف الإنسان و فضيلته التي بها فاق جملة من أصناف الخلق باستعداده لمعرفة الله سبحانه التي في الدنيا جماله و كماله و فخره و في الآخرة عدّته و ذخره و إنما استعدّ للمعرفة بقلبه لا بجارحة من جوارحه فالقلب هو العالم بالله و هو العامل لله و هو الساعي إلى الله و هو المتقرب إليه و إنما الجوارح أتباع له و خدم و آلات يستخدمها القلب و يستعملها استعمال الملك للعبيد و استخدام الراعي للرعية و الصانع للآلة.
و القلب هو المقبول عند الله إذا سلم من غير الله و هو المحجوب عن الله إذا صار مستغرقا بغير الله و هو المطالب و المخاطب و هو المثاب و المعاقب و هو الذي