بيان: قال الشهيد طاب ثراه في قواعده في حديث القدسي ما ترددت في شيء أنا فاعله فإن التردد على الله محال غير أنه لمّا جرت العادة أن يتردد من يعظّم الشخص و يكرمه في مساءته نحو الوالدين و الصديق و أن لا يتردد في مساءة من لا يكرمه و لا يعظمه كالعدو و الحيّة و العقرب بل إذا خطر بالبال مساءته أوقعها من غير تردد فصار التردد لا يقع إلا في موضع التعظيم و الاهتمام و عدمه لا يقع إلا في موضع الاحتقار و عدم المبالاة فحينئذ دل الحديث على تعظيم الله للمؤمن و شرف منزلته عنده فعبر باللفظ المركب عما يلزمه و ليس مذكورا في اللفظ و إنما هو بالإرادة و القصد فكان معنى الحديث حينئذ منزلة عبدي المؤمن عظيمة و مرتبته رفيعة فدل على تصرف النية في ذلك كله.
و قد أجاب بعض من عاصرناه عن هذا الحديث بأن التردد إنما هو في الأسباب بمعنى أن الله يظهر للمؤمن أسبابا يغلب على ظنه دنو الوفاة بها ليصير على الاستعداد التام للآخرة ثم يظهر له أسبابا تبسط في أمله فيرجع إلى عمارة دنياه بما لا بد منه و لما كانت هذه بصورة التردد أطلق عليها ذلك استعارة و إذ كان العبد المتعلق بتلك الأسباب بصورة المتردد أسند التردد إليه تعالى من حيث إنه فاعل للتردد في العبد و قيل إنه تعالى لا يزال يورد على المؤمن سبب الموت حالا بعد حال ليؤثر المؤمن الموت فيقبضه مريدا له و إيراد تلك الأحوال المراد بها غاياتها من غير تعجيل بالغايات من القادر على التعجيل يكون ترددا بالنسبة إلى القادر من المخلوقين فهو بصورة المتردد و إن لم يكن ثم ترددا و يؤيده الخبر المروي عن إبراهيم(ع)لما أتاه ملك الموت ليقبض روحه و كره ذلك أخره الله إلى أن رأى شيخا هما يأكل و لعابه يسيل على لحيته فاستفظع ذلك و أحب الموت و كذلك موسى(ع)(2).