تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء السبعون 70 · الصفحة الأصلية 242 / داخلي 242 من 415
»»
[صفحة 242]
و لا تزول النعمة عن المحسود بحسدك و لو لم تكن تؤمن بالبعث و الحساب لكان مقتضى الفطنة إن كنت عاقلا أن تحذر من الحسد لما فيه من ألم القلب و مساءته مع عدم النفع فكيف و أنت عالم بما في الحسد من العذاب الشديد في الآخرة.
و أما أنه لا ضرر على المحسود في دينه و دنياه فواضح لأن النعمة لا تزول عنه بحسدك بل ما قدره الله من إقبال و نعمة فلا بد من أن يدوم إلى أجل قدره الله فلا حيلة في دفعه بل كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ و لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ و إما أن المحسود ينتفع به في الدين و الدنيا فواضح أما منفعته في الدين فهو أنه مظلوم من جهتك لا سيما إذا أخرجك الحسد إلى القول و الفعل بالغيبة و القدح فيه و هتك ستره و ذكر مساويه فهذه هدايا تهديها إليه أعني أنك بذلك تهدي إليه حسناتك حتى تلقاه يوم القيامة مفلسا محروما عن النعمة كما حرمت في الدنيا عن النعمة فأضعفت له نعمة إلى نعمة و لنفسك شقاوة إلى شقاوتك.
و أما منفعته في الدنيا فهو أن أهم أغراض الخلق مساءة الأعداء و غمهم و شقاوتهم و كونهم معذبين مغمومين و لا عذاب أعظم مما أنت فيه من ألم الحسد و غاية أماني أعدائك أن يكونوا في نعمة و أن تكون في غم و حسرة بسببهم و قد فعلت بنفسك ما هو مرادهم.
ثم اعلم أن الموذي ممقوت بالطبع و من آذاك لا يمكنك أن لا تبغضه غالبا و إذا تيسرت له نعمة فلا يمكنك أن لا تكرهها له حتى يستوي عندك حسن حال عدوك و سوء حاله بل لا تزال تدرك في النفس بينهما فرقا و لا يزال الشيطان، ينازعك في الحسد له و لكن إن قوي ذلك فيك حتى يبعثك على إظهار الحسد بقول أو فعل بحيث يعرف ذلك من ظاهرك بأفعالك الاختيارية فأنت إذا حسود عاص بحسدك و إن كففت ظاهرك بالكلية إلا أنك بباطنك تحب زوال النعمة و ليس في نفسك كراهة لهذه الحالة فأنت أيضا حسود عاص لأن الحسد صفة القلب لا صفة الفعل.