تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء السبعون 70 · الصفحة الأصلية 32 / داخلي 32 من 415
»»
[صفحة 32]
و أمير مطاع و قائد على كل طائفة منهم فانظر كيف ابتدأ الأمر من حاجة القوت و المسكن و الملبس و إلى ما ذا انتهى.
هكذا أمور الدنيا لا يفتح منها باب إلا و ينفتح منها بسببه عشرة أبواب أخر و هكذا يتناهى إلى حد غير محصور و كأنها هاوية لا نهاية لعمقها و من وقع في مهواة منها سقط منها إلى أخرى و هكذا على التوالي.
فهذه هي الحرف و الصناعات و يتفرع عليها أيضا بناء الحوانيت و الخانات للمتحرفة و التجار و جماعة يتجرون و يحملون الأمتعة من بلد إلى بلد و يتفرع عليها الكراية و الإجارة ثم يحدث بسبب البيوع و الإجارات و أمثالها الحاجة إلى النقدين لتقع المعاملة بهما فاتخذت النقود من الذهب و الفضة و النحاس ثم مست الحاجة إلى الضرب و النقش و التقدير فحدثت الحاجة إلى دار الضرب و إلى الصيارفة.
فهذه أشغال الخلق و هي معايشهم و شيء من هذه الحرف لا يمكن مباشرته إلا بنوع تعلم و تعب في الابتداء و في الناس من يغفل عن ذلك في الصبا فلا يشتغل به أو يمنعه مانع فيبقى عاجزا فيحتاج إلى أن يأكل مما سعى فيه غيره فتحدث منه حرفتان خسيستان اللصوصية و الكدية و للصوص أنواع و لهم حيل شتى في ذلك و أما التكدي فله أسباب مختلفة فمنهم من يطلب ذلك بالتمسخر و المحاكاة و الشعبذة و الأفعال المضحكة و قد يكون بالأشعار مع النغمة أو غيرها في المدح أو التعشق أو غيرهما أو تسليم ما يشبه العوض و ليس بعوض كبيع التعويذات و الطلسمات و كأصحاب القرعة و الفال و الزجر من المنجمين و يدخل في هذا الجنس الوعاظ المتكدون على رءوس المنابر.
فهذه هي أشغال الخلق و أعمالهم التي أكبوا عليها و جرهم إلى ذلك كله الحاجة إلى القوت و الكسوة و لكن نسوا في أثناء ذلك أنفسهم و مقصودهم و منقلبهم و مالهم فضلوا و تاهوا و سبق إلى عقولهم الضعيفة بعد أن كدرها زحمة أشغال الدنيا خيالات فاسدة و انقسمت مذاهبهم و اختلفت آراؤهم على عدة أوجه.