تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء السبعون 70 · الصفحة الأصلية 34 / داخلي 34 من 415
»»
[صفحة 34]
و تقلد الأعمال السلطانية لينفذوا أمرهم بها على طائفة من الناس و يرون أنهم إذا اتسعت ولايتهم و انقادت لهم رعاياهم فقد سعدوا سعادة عظيمة و أن ذلك غاية المطلب و هذا أغلب الشهوات على قلوب المتغافلين من الناس فهؤلاء شغلهم حب تواضع الناس لهم عن التواضع لله و عن عبادته و عن التفكر في آخرتهم و معادهم.
و وراء هذا طوائف يطول حصرها تزيد على نيف و سبعين فرقة كلهم ضلوا و أضلوا عن سواء السبيل و إنما جرهم إلى جميع ذلك حاجة المطعم و الملبس و المسكن فنسوا ما يراد له هذه الأمور الثلاثة و القدر الذي يكفي منها و انجرت بهم أوائل أسبابها إلى أواخرها و تداعت لهم إلى مبادي لم يمكنهم الترقي منها.
فمن عرف وجه الحاجة إلى هذه الأسباب و الأشغال و عرف غاية المقصود منها فلا يخوض في شغل و حرفة و عمل إلا و هو عالم بمقصوده و عالم بحظه و نصيبه منه و أن غاية مقصوده تعهد بدنه بالقوة و الكسوة حتى لا يهلك و ذلك أن سلك فيه سبيل التقليل اندفعت الأشغال و فرغ القلب و غلب عليه ذكر الآخرة و انصرفت الهمة إلى الاستعداد له و إن تعدى به قدر الضرورة كثرت الأشغال و تداعى البعض إلى البعض و تسلسل إلى غير نهاية فتشعب به الهموم و من تشعب به الهموم في أودية الدنيا فلا يبال الله في أي واد أهلكه.
فهذا شأن المنهمكين في أشغال الدنيا و تنبه لذلك طائفة فأعرضوا عن الدنيا فحسدهم الشيطان، فلم يتركهم و أضلهم في الأعراض أيضا حتى انقسموا إلى طوائف فظنت طائفة أن الدنيا دار بلاء و محنة و أن الآخرة دار سعادة لكل من وصل إليها سواء تعبد في الدنيا أو لم يتعبد فرأوا أن الصواب في أن يقتلوا أنفسهم للخلاص من محنة الدنيا و إليه ذهب طوائف من عباد الهند فهم يتهجمون على النار و يقتلون أنفسهم بالإحراق و يظنون أن ذلك خلاص منهم من سجن الدنيا.
و ظنت طائفة أخرى أن القتل لا يخلص بل لا بد أولا من إماتة الصفات البشرية و قلعها عن النفس بالكلية و أن السعادة في قطع الشهوة و الغضب ثم أقبلوا على المجاهدة فشدوا على أنفسهم حتى هلك بعضهم بشدة الرياضة و بعضهم فسد