تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء السبعون 70 · الصفحة الأصلية 35 / داخلي 35 من 415
»»
[صفحة 35]
عقله و جن و بعضهم مرض و انسدت عليه طرق العبادة.
و بعضهم عجز عن قمع الصفات بالكلية فظن أن ما كلفه الشرع محال و أن الشرع تلبيس لا أصل له فوقع في الإلحاد و الزندقة و ظهر لبعضهم أن هذا التعب كله لله و أن الله مستغن عن عبادة العباد لا ينقصه عصيان عاص و لا يزيده عبادة عابد فعادوا إلى الشهوات و سلكوا مسلك الإباحة فطووا بساط الشرع و الأحكام و زعموا أن ذلك من صفاء توحيدهم حيث اعتقدوا أن الله مستغن عن عبادة العباد.
و ظن طائفة أخرى أن المقصود من العبادات المجاهدة حتى يصل العبد بها إلى معرفة الله تعالى فإذا حصلت المعرفة فقد وصل و بعد الوصال يستغني عن الوسيلة و الحيلة فتركوا السعي و العبادة و زعموا أنه ارتفع محلهم في معرفة الله سبحانه عن أن يمتحنوا بالتكاليف و إنما التكليف على عوام الخلق.
و وراء هذا مذاهب باطلة و ضلالة هائلة و خيالات فاسدة يطول إحصاؤها إلى أن يبلغ نيفا و سبعين فرقة و إنما الناجي منها فرقة واحدة و هي السالكة ما كان عليها رسول الله ص و أصحابه و هو أن لا يتركوا الدنيا بالكلية و لا يقمع في الشهوات بالكلية.
أما الدنيا فيأخذ منها قدر الزاد و أما الشهوات فيقمع منها ما يخرج عن طاعة الشرع و العقل فلا يتبع كل شهوة و لا يترك كل شهوة بل يتبع العدل و لا يترك كل شيء من الدنيا و لا يطلب كل شيء من الدنيا بل يعلم مقصود كل ما خلق من الدنيا و يحفظه على حد مقصوده فيأخذ من القوت ما يقوى به البدن على العبادة و من المسكن ما يحفظ به من اللصوص و الحر و البرد و من الكسوة كذلك حتى إذا فرغ القلب من شغل البدن أقبل على الله بكنه همه و اشتغل بالذكر و الفكر طول العمر و بقي ملازما لسياسة الشهوات و مراقبا لها حتى لا تجاوز حدود الورع و التقوى و لا يعلم تفصيل ذلك إلا بالاقتداء بالفرقة الناجية الذين صحت عقائدهم و اتبعوا الرسول و أئمة الهدى (صلوات الله عليهم) في أقوالهم و أفعالهم فإنهم ما كانوا