تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء السبعون 70 · صفحة 362 من 441
صفحة
[صفحة 338]
كان من قصتهم أنا جعلنا بينهم و بين قرى الشام التي باركنا فيها (1) بالماء و الشجر قرى متواصلة و كان متجرهم من أرض اليمن إلى الشام و كانوا يبيتون بقرية و يقيلون بأخرى حتى يرجعوا و كانوا لا يحتاجون إلى زاد من وادي سبإ إلى الشام و معنى الظاهرة أن الثانية كانت ترى من الأولى لقربها منها وَ قَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ أي جعلنا السير من القرية إلى القرية نصف يوم و قلنا لهم سِيرُوا فِيها أي في تلك القرى لَيالِيَ وَ أَيَّاماً أي ليلا شئتم المصير أو نهارا آمِنِينَ من الجوع و العطش و التعب و من السباع و كل المخاوف و في هذا إشارة إلى تكامل نعمه عليهم في السفر كما أنه كذلك في الحضر.
ثم أخبر سبحانه أنهم بطروا و بغوا فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا أي اجعل بيننا و بين الشام فلوات و مفاوز لنركب إليها الرواحل و نقطع المنازل و هذا كما قالت بنو إسرائيل لما ملوا النعمة اخرج لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَ قِثَّائِها (2) بدل من المن و السلوى وَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بارتكاب الكفر و المعاصي فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ لمن بعدهم يتحدثون أمرهم و شأنهم و يضربون بهم المثل فيقولون تفرقوا أيادي سبإ إذا تشتتوا أعظم التشتت وَ مَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ أي فرقناهم في كل وجه من البلاد كل تفريق إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ على الشدائد شكور على النعماء و قيل لكل صبار عن المعاصي شكور للنعم بالطاعات.
ثم نقل عن الكلبي عن أبي صالح قال ألقت طريفة الكاهنة إلى عمرو بن عامر الذي يقال له مزيقيا بن ماء السماء و كانت قد رأت في كهانتها أن سد مأرب سيخرب و أنه سيأتي سيل العرم فيخرب الجنتين فباع عمرو بن عامر أمواله و سار هو و قومه حتى انتهوا إلى مكة فأقاموا بها و ما حولها فأصابتهم الحمى و كانوا ببلد لا يدرون فيه ما الحمى فدعوا طريفة و شكوا إليها الذي أصابهم فقالت
____________
(1) ما بين العلامتين أضفناه من شرح الكافي طبقا للمصدر.