بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء السبعون 70 · صفحة 435 من 1037

صفحة
[صفحة 203]

النعمة عليه ليعرف بها ربه و يعلم بها عظمته و جلاله و أنه لا يليق الكبرياء إلا به عز و جل.


فلذلك امتنّ عليه فقال تعالى‏ أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَ لِساناً وَ شَفَتَيْنِ وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ‏ (1) و عرف خسته أولا فقال‏ أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى‏ ثُمَّ كانَ عَلَقَةً (2) ثم ذكر مننه فقال‏ فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَ الْأُنْثى‏ ليدوم وجوده بالتناسل كما حصل وجوده ابتداء بالاختراع فمن كان هذا بدؤه و هذا أحواله فمن أين له البطر و الكبرياء و الفخر و الخيلاء و هو على التحقيق أخسّ الأخسّاء و أضعف الضعفاء.


نعم لو أكمله و فوض إليه أمره و أدام له الوجود باختياره لجاز أن يطغى و ينسى المبدأ و المنتهى و لكنه سلط عليه في دوام وجوده الأمراض الهائلة و الأسقام العظيمة و الآفات المختلفة و الطبائع المتضادة من المرة و البلغم و الريح و الدم ليهدم البعض من أجزائه البعض شاء أم أبي رضي أم سخط فيجوع كرها و يعطش كرها و يمرض كرها و يموت كرها لا يملك لنفسه نفعا و لا ضرا و لا خيرا و لا شرا يريد أن يعلم الشي‏ء فيجهله و يريد أن يذكر الشي‏ء فينساه و يريد أن ينسى الشي‏ء فيغفل عنه فلا يغفل و يريد أن يصرف قلبه إلى ما يهمه فيجول في أودية الوسواس و الأفكار بالاضطرار فلا يملك قلبه قلبه و لا نفسه نفسه.


يشتهي الشي‏ء و ربما يكون هلاكه فيه و يكره الشي‏ء و يكون حياته فيه يستلذ الأطعمة فتهلكه و ترديه و يستبشع الأدوية و هي تنفعه و تحييه لا يأمن في لحظة من ليله و نهاره أن يسلب سمعه و بصره و علمه و قدرته و تفلج أعضاؤه و يختلس عقله و يختطف روحه و يسلب جميع ما يهواه في دنياه و هو مضطر ذليل إن ترك ما بقي و إن اختطف فني عبد مملوك لا يقدر على شي‏ء من نفسه و لا من غيره فأي شي‏ء أذل منه لو عرف نفسه و أنى يليق الكبر به لو لا جهله.


____________


(1) البلد: 8- 10.

(2) القيامة: 37.

التالي ص 435/1037 — الأصلية 203 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...