تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الانوار الجزء الثالث عشر 13 · صفحة 36 من 728
صفحة
[صفحة 24]
وَ أَنْ أَلْقِ عَصاكَ إنما أعاد سبحانه هذه القصة و كررها في السور تقريرا للحجة على أهل الكتاب و استمالة بهم إلى الحق و من أحب شيئا أحب ذكره و القوم كانوا يدعون محبة موسى (عليه السلام) و كل من ادعى اتباع سيده مال إلى ذكره بالفضل (1) على أن كل موضع من مواضع التكرار لا يخلو من زيادة فائدة فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ أي تتحرك كَأَنَّها جَانٌ من سرعة حركتها أو شدة اهتزازها وَلَّى مُدْبِراً موسى وَ لَمْ يُعَقِّبْ أي لم يرجع فنودي يا مُوسى أَقْبِلْ وَ لا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ من ضررها اسْلُكْ يَدَكَ أي أدخلها مِنْ غَيْرِ سُوءٍ أي من غير برص وَ اضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ أي ضم يدك إلى صدرك من الخوف فلا خوف عليك عن ابن عباس و مجاهد و المعنى أن الله سبحانه أمره أن يضم يده إلى صدره فيذهب ما أصابه من الخوف عند معاينة الحية و قيل أمره سبحانه بالعزم على ما أراده منه و حثه على الجد فيه لئلا يمنعه الخوف الذي يغشاه في بعض الأحوال فيما أمره بالمضي فيه و ليس يريد بقوله اضْمُمْ يَدَكَ الضم المزيل للفرجة بين الشيئين و قيل إنه لما ألقى العصا و صارت حية بسط يده كالمتقي و هما جناحاه فقيل له اضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ أي ما بسطته من يدك لأنك آمن من ضررها و يجوز أن يكون معناه اسكن و لا تخف فإن من هاله أمر أزعجه حتى كأنه يطيره و آلة الطيران الجناح فكأنه (عليه السلام) قد بلغ نهاية الخوف (2) فقيل له ضم منشور جناحك من الخوف و اسكن و قيل معناه إذا هالك أمر يدك لما تبصر من شعاعها فاضممها إليك لتسكن فَذانِكَ بُرْهانانِ أي اليد و العصا حجتان من ربك على نبوتك مرسلا بهما إلى فرعون و ملئه.
قوله هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً إنما قال ذلك لعقدة كانت في لسانه فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً أي معينا لي على تبليغ رسالتك يُصَدِّقُنِي أي مصدقا لي على ما أؤديه من الرسالة
____________
(1) في المصدر: مال الى من ذكره بالفضل.
(2) قال السيّد الرضيّ (قدس سره): الجناح هنا عبارة عن اليد، و قيل: معنى ذلك اي سكن روعك و خفض جأشك من الرهب الذي أصابك، و الرعب الذي داخلك عند انقلاب العصا في هيئة الجان، و لما كان من شأن الخائف القلق و الانزعاج و التململ و الاضطراب صار ضم الجناح عبارة عن السكون بعد القلق و الأمان بعد الغرق.