بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الخامس والسبعون 75 · صفحة 395 من 463

[صفحة 395]

فَلَمَّا سَمِعَ الْمَلِكُ ذَلِكَ مِنِ ابْنِهِ عَلِمَ- أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ مَا الَّذِي يَكْرَهُهُ- وَ أَنَّهُ مِنْ حَبْسِهِ وَ حَصْرِهِ لَا يَزِيدُهُ إِلَّا إِغْرَاءً- وَ حِرْصاً عَلَى مَا يُحَالُ بَيْنَهُ وَ بَيْنَهُ فَقَالَ يَا بُنَيَّ- مَا أَرَدْتُ بِحَصْرِي إِيَّاكَ إِلَّا أَنْ أُنَحِّيَ عَنْكَ الْأَذَى- فَلَا تَرَى إِلَّا مَا يُوَافِقُكَ وَ لَا تَسْمَعُ إِلَّا مَا يَسُرُّكَ- فَأَمَّا إِذَا كَانَ هَوَاكَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ- فَإِنَّ آثَرَ الْأَشْيَاءِ عِنْدِي مَا رَضِيتَ وَ هَوِيتَ- ثُمَّ أَمَرَ الْمَلِكُ أَصْحَابَهُ أَنْ يُرْكِبُوهُ فِي أَحْسَنِ زِينَةٍ- وَ أَنْ يُنَحُّوا عَنْ طَرِيقِهِ كُلَّ مَنْظَرٍ قَبِيحٍ- وَ أَنْ يُعِدُّوا لَهُ الْمَعَازِفَ وَ الْمَلَاهِيَ فَفَعَلُوا ذَلِكَ- فَجَعَلَ بَعْدَ رَكْبَتِهِ تِلْكَ يُكْثِرُ الرُّكُوبَ- فَمَرَّ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى طَرِيقٍ قَدْ غَفَلُوا عَنْهُ- فَأَتَى عَلَى رَجُلَيْنِ مِنَ السُّؤَّالِ‏ (1)- أَحَدُهُمَا قَدْ تَوَرَّمَ وَ ذَهَبَ لَحْمُهُ- وَ اصْفَرَّ جِلْدُهُ وَ ذَهَبَ مَاءُ وَجْهِهِ- وَ سَمُجَ مَنْظَرُهُ وَ الْآخَرُ أَعْمَى يَقُودُهُ قَائِدٌ- فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ اقْشَعَرَّ مِنْهُمَا وَ سَأَلَ عَنْهُمَا- فَقِيلَ لَهُ إِنَّ هَذَا الْمُوَرَّمَ مِنْ سُقْمٍ بَاطِنٍ- وَ هَذَا الْأَعْمَى مِنْ زَمَانَةٍ فَقَالَ ابْنُ الْمَلِكِ- وَ إِنَّ هَذَا الْبَلَاءَ لَيُصِيبُ غَيْرَ وَاحِدٍ قَالُوا نَعَمْ- فَقَالَ هَلْ يَأْمَنُ أَحَدٌ مِنْ نَفْسِهِ أَنْ يُصِيبَهُ مِثْلُ هَذَا قَالُوا لَا- وَ انْصَرَفَ يَوْمَئِذٍ مَهْمُوماً ثَقِيلًا مَحْزُوناً بَاكِياً- مُسْتَخِفّاً بِمَا هُوَ فِيهِ مِنْ مُلْكِهِ- وَ مُلْكِ أَبِيهِ فَلَبِثَ بِذَلِكَ أَيَّاماً- ثُمَّ رَكِبَ رَكْبَةً فَأَتَى فِي مَسِيرِهِ عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ- قَدِ انْحَنَى مِنَ الْكِبَرِ وَ تَبَدَّلَ خَلْقُهُ- وَ ابْيَضَّ شَعْرُهُ وَ اسْوَدَّ لَوْنُهُ- وَ تَقَلَّصَ جِلْدُهُ‏(2) وَ قَصُرَ خَطْوُهُ- فَعَجِبَ مِنْهُ وَ سَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا هَذَا الْهَرَمُ فَقَالَ وَ فِي كَمْ يَبْلُغُ الرَّجُلُ مَا أَرَى- قَالُوا فِي مِائَةِ سَنَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ- وَ قَالَ فَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ قَالُوا الْمَوْتُ- قَالَ فَمَا يُخَلَّى بَيْنَ الرَّجُلِ وَ بَيْنَ مَا يُرِيدُ مِنَ الْمُدَّةِ- قَالُوا لَا وَ لَيُصَيَّرَنَّ إِلَى هَذَا فِي قَلِيلٍ مِنَ الْأَيَّامِ- فَقَالَ الشَّهْرُ ثَلَاثُونَ يَوْماً وَ السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً- وَ انْقِضَاءُ الْعُمُرِ مِائَةَ سَنَةٍ فَمَا أَسْرَعَ الْيَوْمَ فِي الشَّهْرِ- وَ مَا أَسْرَعَ الشَّهْرَ فِي السَّنَةِ- وَ مَا أَسْرَعَ السَّنَةَ فِي الْعُمُرِ فَانْصَرَفَ الْغُلَامُ- وَ هَذَا كَلَامُهُ يُبْدِيهِ وَ يُعِيدُهُ مُكَرِّراً لَهُ‏


____________

(1) في بعض النسخ «فأتى عليه رجلان من السؤال».

(2) تقلص أي انضم و انزوى.

التالي صفحة 395 من 463 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...