بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الخامس والسبعون 75 · الصفحة الأصلية 405 / داخلي 405 من 461

[صفحة 405]

قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ فَهَلْ تَعْلَمُ أَحَداً مِنَ النَّاسِ- يَدْعُو إِلَى التَّزْهِيدِ فِي الدُّنْيَا غَيْرَكُمْ- قَالَ الْحَكِيمُ أَمَّا فِي بِلَادِكُمْ هَذِهِ فَلَا- وَ أَمَّا فِي سَائِرِ الْأُمَمِ فَفِيهِمْ قَوْمٌ يَنْتَحِلُونَ- الدِّينَ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَ لَمْ يَسْتَحِقُّوهُ بِأَعْمَالِهِمْ- فَاخْتَلَفَ سَبِيلُنَا وَ سَبِيلُهُمْ قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ- كَيْفَ صِرْتُمْ أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْهُمْ- وَ إِنَّمَا أَتَاكُمْ هَذَا الْأَمْرُ الْغَرِيبُ مِنْ حَيْثُ أَتَاهُمْ- قَالَ الْحَكِيمُ الْحَقُّ كُلُّهُ جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ أَنَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى دَعَا الْعِبَادَ إِلَيْهِ- فَقَبِلَهُ قَوْمٌ بِحَقِّهِ وَ شُرُوطِهِ- حَتَّى أَدَّوْهُ إِلَى أَهْلِهِ كَمَا أُمِرُوا- لَمْ يَظْلِمُوا وَ لَمْ يُخْطِئُوا وَ لَمْ يُضَيِّعُوا- وَ قَبِلَهُ آخَرُونَ فَلَمْ يَقُومُوا بِحَقِّهِ وَ شُرُوطِهِ- وَ لَمْ يُؤَدُّوهُ إِلَى أَهْلِهِ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهِ عَزِيمَةٌ- وَ لَا عَلَى الْعَمَلِ بِهِ نِيَّةُ ضَمِيرٍ فَضَيَّعُوهُ وَ اسْتَثْقَلُوهُ- فَالْمُضَيِّعُ لَا يَكُونُ مِثْلَ الْحَافِظِ- وَ الْمُفْسِدُ لَا يَكُونُ كَالْمُصْلِحِ- وَ الصَّابِرُ لَا يَكُونُ كَالْجَازِعِ- فَمِنْ هَاهُنَا كُنَّا نَحْنُ أَحَقَّ بِهِ مِنْهُمْ وَ أَوْلَى- ثُمَّ قَالَ الْحَكِيمُ إِنَّهُ لَيْسَ يَجْرِي عَلَى لِسَانِ أَحَدٍ مِنْهُمْ- مِنَ الدِّينِ وَ التَّزْهِيدِ وَ الدُّعَاءِ إِلَى الْآخِرَةِ- إِلَّا وَ قَدْ أَخَذَ ذَلِكَ عَنْ أَصْلِ الْحَقِ‏ (1) الَّذِي عَنْهُ أَخَذْنَا- وَ لَكِنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَنَا وَ بَيْنَهُمْ أَحْدَاثُهُمُ- الَّتِي أَحْدَثُوا وَ ابْتِغَاؤُهُمُ الدُّنْيَا وَ إِخْلَادُهُمْ إِلَيْهَا- وَ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الدَّعْوَةَ لَمْ تَزَلْ تَأْتِي- وَ تَظْهَرُ فِي الْأَرْضِ مَعَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَ رُسُلِهِ (صلوات اللّه عليهم)- فِي الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ عَلَى أَلْسِنَةٍ مُخْتَلِفَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ- وَ كَانَ أَهْلُ دَعْوَةِ الْحَقِّ أَمْرُهُمْ مُسْتَقِيمٌ- وَ طَرِيقُهُمْ وَاضِحٌ وَ دَعْوَتُهُمْ بَيِّنَةٌ- لَا فُرْقَةَ فِيهِمْ وَ لَا اخْتِلَافَ- فَكَانَتِ الرُّسُلُ(ع)إِذَا بَلَّغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ- وَ احْتَجُّوا لِلَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ بِحُجَّةٍ- وَ إِقَامَةِ مَعَالِمِ الدِّينِ وَ أَحْكَامِهِ- قَبَضَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِ عِنْدَ انْقِضَاءِ آجَالِهِمْ- وَ مُنْتَهَى مُدَّتِهِمْ- وَ مَكَثَتِ الْأُمَّةُ مِنَ الْأُمَمِ بَعْدَ نَبِيِّهَا- بُرْهَةً مِنْ دَهْرِهَا لَا تَغَيَّرَ وَ لَا تَبَدَّلَ- ثُمَّ صَارَ النَّاسُ بَعْدَ ذَلِكَ يُحْدِثُونَ الْأَحْدَاثَ- وَ يَبْتَغُونَ الشَّهَوَاتِ وَ يُضَيِّعُونَ الْعِلْمَ- فَكَانَ الْعَالِمُ الْبَالِغُ الْمُسْتَبْصِرُ مِنْهُمْ يُخْفِي شَخْصَهُ- وَ لَا يُظْهِرُ عِلْمَهُ فَيَعْرِفُونَهُ بِاسْمِهِ- وَ لَا يَهْتَدُونَ إِلَى مَكَانِهِ وَ لَا يَبْقَى مِنْهُمْ- إِلَّا الْخَسِيسُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ- يَسْتَخِفُّ بِهِ أَهْلُ الْجَهْلِ وَ الْبَاطِلِ- فَيَخْمُلُ الْعِلْمُ وَ يَظْهَرُ الْجَهْلُ- وَ تَتَنَاسَلُ الْقُرُونُ فَلَا يَعْرِفُونَ إِلَّا الْجَهْلَ‏


____________

(1) في المصدر «أهل الحق».

التالي الأصلية 405داخلي 405/461 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...