قالوا: و لما نزل قوله «الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ» قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): خذوا عنى! خذوا عنى! قد جعل اللّه لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة و تغريب عام و الثيب بالثيب جلد مائة و الرجم.
قال: و قال بعضهم: انه غير منسوخ لان الحبس لم يكن مؤبدا، بل كان مستندا الى غاية، فلا يكون بيان الغاية نسخا له.
قال: «وَ الَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ» أى يأتيان الفاحشة و فيه ثلاثة أقوال: أحدها أنهما الرجل و المرأة، و ثانيها أنهما البكران من الرجال و النساء، و ثالثها أنهما الرجلان الزانيان، و هذا لا يصحّ لانه لو كان كذلك لما كان للتثنية معنى لان الوعد و الوعيد انما يأتي بلفظ الجمع فيكون لكل واحد منهم، أو بلفظ الواحد لدلالته على الجنس فأما التثنية فلا فائدة فيها.
و قال أبو مسلم: هما الرجلان يخلوان بالفاحشة بينهما، و الفاحشة في الآية الأولى عنده السحق و في الآية الثانية اللواط، فحكم الآيتين عنده ثابت غير منسوخ، و الى هذا التأويل ذهب أهل العراق، فلا حدّ عندهم في اللواط و السحق، و هذا بعيد لان الذي عليه جمهور المفسرين أن الفاحشة في الآية الزنا ..
أقول: ظاهر الآية بقرينة قوله «الَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ» هو قول أبى مسلم فان لفظ التثنية و الإتيان بضمير الفاحشة و ارجاعها الى الآية الأولى لا يستقيم الا على قوله فان الفاحشة ان كانت هي الزنا فقد ذكر حكم النساء في الآية الأولى، و بقى حكم الرجال و كان حقّ الكلام أن يقال: «و الذين يأتونها منكم» فلا يصحّ التأويل بأنهما الرجل و المرأة تغليبا كما في القول الأوّل، و لا التأويل بأنهما البكران من الرجال و النساء لذلك، و لا القول الثالث لما ذكره الطبرسيّ نفسه فلم يبق الا القول الرابع و هو قول أبى مسلم.
هذا هو الظاهر المنصوص من الآيتين- حيث سمى مباشرة الرجل مع الرجل، و المرة مع المرأة فاحشة، و أمّا مباشرة الرجل مع المرأة و هي التي تسمى بالزنا فهي جامع بين الفاحشتين و الحكم فيه ثابت بطريق أولى، و لأن الزنا فاحشة قطعا لقوله تعالى:
«وَ لا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَ ساءَ سَبِيلًا»