تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء السادس والسبعون 76 · صفحة 746 من 1154
صفحة
[صفحة 205]
باب 96 السحر و الكهانة
الآيات البقرة وَ اتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَ ما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَ لكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَ ما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَ مارُوتَ وَ ما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ وَ ما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَ يَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَ لا يَنْفَعُهُمْ وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَ لَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (1) الآيات
____________
(1) البقرة: 102- و بعده:- وَ لَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ» أقول: ضمير الجمع في قوله تعالى «وَ اتَّبَعُوا» راجع الى فريق من بني إسرائيل عرفهم اللّه في سابق الآيات بأنهم تفانوا في حبّ الدنيا و زخارفها الفانية و حرصوا على الحياة فنبذوا كتاب اللّه وراء ظهورهم و كذبوا أنبياء اللّه و قتلوهم أحيانا، و نقضوا عهد اللّه و ميثاقه.
ثمّ بعد ذلك اتبعوا شياطين الانس- و هم السحرة- في الافتراء على ملك سليمان و حشمته بأنها كانت بالسحر و أن الكتاب الذي أعطاه اللّه عزّ و جلّ و أنزله من السماء عليه تشييدا لملكه الموهوب له- الذي لا ينبغي لاحد من بعده- و تأييدا و تثبيتا لاركان عزته التي لا ترام، انما هي هذه الصحائف التي ورثناها بعده؛ فلذلك نعمل العجائب كما كان يعمل، الا أنّه كان يعرف جميع أسرار السحر، و نحن لا نعلم و لا نعرف منها الا هذا النذر اليسير.
فبسبب اتباعهم- أعنى السحرة الشياطين- في هذا الافتراء رخصوا لانفسهم أن يتعاطوه، و قاموا في الطلب، و خاضوا في السحر و اشتروا صحائفه و تعلموه و عملوا به، مع علمهم بأن ذلك حرام محرم في مذهبهم، و أن متعاطى ذلك و مشتريه ما له في الآخرة من خلاق.
و الظاهر عندي- بعد تتبع ما ورد من لفظ التلاوة و تصريفها في القرآن المجيد- أن التلاوة هي القراءة بالترتيل و الطمأنينة مع طنطنة خاصّة تنشأ من تعظيم نفس المتكلم و خشوعه بالنسبة الى عظمة ما يتلوه، كأن خطيبا يخطب في مهم اجتماعى و يلقى كلمته على السامعين ليعوه و يحفظوه، فتارة يخفض صوته و تارة يعلو بها حسبما اقتضى المقام، ليقع المعنى في قلب السامع موقعه، و يأخذ بسمعه مآخذه، و ربما كرر جملة من كلامه مع ترتيل و تتابع بين كلماته بحيث يسع المخاطب أن يعرف مغزى الكلام.
و هذا النحو من القراءة، و هي التلاوة، خاص عند الناس بإلقاء الفرامين المولوية و المواعظ الحكمية، و الخطابات التي يلقونها في أندية العلماء، تحقيقا لامر اجتماعى أو أدبى أو غير ذلك ممّا يراد بها التأثير في السامعين و الاخذ بأسماعهم و أبصارهم و قلوبهم.