بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء السادس والسبعون 76 · صفحة 910 من 1154

صفحة
[صفحة 257]

____________


قال العلامة ابن خلدون في مقدّمة تاريخه في الفصل الذي عقده للبحث عن صناعة الغناء: ان الأصوات لها كيفيات من الهمس و الجهر و الرخاوة و الشدة و القلقلة و الضغط و غير ذلك، و التناسب فيها هو الذي يوجب لها الحسن، فأولا ألا يخرج من الصوت الى ضده دفعة بل بتدريج ثمّ يرجع كذلك و هكذا الى المثل بل لا بدّ من توسط المغاير بين الصوتين .... فاذا كانت الأصوات على تناسب في الكيفيات كما ذكره أهل تلك الصناعة كانت ملائمة ملذوذة.


و من هذا التناسب ما يكون بسيطا، و يكون الكثير من الناس مطبوعين عليه لا يحتاجون فيه الى تعليم و لا صناعة، كما نجد المطبوعين على الموازين الشعرية و تسمى هذه القابلية المضمار، و كثير من القراء بهذه المثابة: يقرءون القرآن فيجيدون في تلاحين أصواتهم كانها المزامير، فيطربون بحسن مساقهم و تناسب نغماتهم.


و من هذا التناسب ما يحدث بالتركيب، و ليس كل الناس يستوى في معرفته، و لا كل الطباع توافق صاحبها في العمل به إذا علم، و هذا هو التلحين الذي يتكفل به علم الموسيقى و هي تلحين الاشعار الموزونة بتقطيع الأصوات على نسب منتظمة معروفة يوقع على كل صوت منها توقيعا عند قطعه فتكون نغمة، ثمّ تؤلف تلك النغم بعضها الى بعض على نسب متعارفة فيلذ سماعها لاجل ذلك التناسب و ما يحدث عنه من الكيفية في تلك الأصوات.


و قد يساوق ذلك التلحين في النغمات الغنائية بتقطيع أصوات أخرى من الجمادات اما بالقرع أو بالنفخ في الآلات تتخذ لذلك فيزيدها لذة السماع كالشبابة و المزمار الزلامى- أو الزنامى- و البوق و البربط و الرباب و القانون و غير ذلك.


و لا يستدعى هذه الصناعة الامن فرغ عن جميع حاجاته الضرورية و المهمة و لا يطلبها الا الفارغون عن سائر أحوالهم تفننا في مذاهب الملذوذات، و قد كان في سلطان العجم قبل الملّة منها بحر زاخر في أمصارهم و مدنهم، و كان ملوكهم يتخذون ذلك و يولعون به.


التالي ص 910/1154 — الأصلية 257 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...