بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء السابع والسبعون 77 · الصفحة الأصلية 295 / داخلي 295 من 385

[صفحة 295]

وَ قَدْ بَقِيَ أَكْثَرُ (1).


51 الْبَصَائِرُ، لِسَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْخَطَّابِ وَ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى الْخَشَّابِ وَ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ زِيَادٍ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ إِنِّي سَأَلْتُ أَبَاكَ عَنِ الْوُضُوءِ فَقَالَ مَرَّةً مَرَّةً فَمَا تَقُولُ فَقَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْأَلَنِي عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِلَّا وَ أَنْتَ تَرَى أَنِّي أُخَالِفُ أَبِي تَوَضَّأْ ثَلَاثاً وَ خَلِّلْ أَصَابِعَكَ‏ (2).

____________

(1) كتاب الطرف: 13.

(2) بصائر الدرجات لسعد بن عبد اللّه الأشعريّ: 94.

أقول: اختلف الأحاديث و هكذا كلمات الاصحاب في أن الوضوء مرة مرة حدّ محدود لا يجوز التعدى عنه كما عرفت من الصدوق أو المرة فرض و الثانية سنة، و الثالثة بدعة محرمة، كما هو المشهور بين الاصحاب، أو المرة فرض و الاثنتان بعدها سنة و من زاد على ذلك فقد أساء و تعدى و ظلم كما رواه النسائى و ابن ماجة و ابن داود بمعناه؛ و عليه فتوى الجمهور؟.


أما قول الجمهور، فلعلهم نظروا الى سيرة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حيث كان يبالغ في الامتثال و يأخذ بالحائطة لدينه، و كلما فرض اللّه عزّ و جلّ شيئا و أطلقه، زاد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فيه مرتين، فرض اللّه عزّ و جلّ ركعات الفرض و سن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ضعفيه فرض اللّه عزّ و جلّ صيام شهر رمضان و سن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ضعفيه، فرض اللّه عزّ و جلّ صلاة الجمعة بكيفية مخصوصة؛ و زاد رسول اللّه ضعفيه في العيدين، أمر اللّه عزّ و جلّ بقوله‏ «سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى» فجعله رسول اللّه في السجدة و زاد عليه مرتين و هكذا في ذكر الركوع و غيره الى ما شاء اللّه.


فرض اللّه عزّ و جلّ عليه اجتناب الرجز- رجز الشيطان- فقال‏ «وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ» و بالغ رسول اللّه في امتثاله فغسل يديه ثلاثا و تمضمض ثلاثا و استنشق ثلاثا و قال فان الشيطان يبيت على خيشوم النائم، و هكذا السنة في الاستنجاء و الغسل من الخبث، و الغسل من الجنابة و الحيض و النفاس و الوضوء من الغمر و غير ذلك.


لكن الحق أن هذه السنة ما كانت لتجرى في الوضوء، لانها تجرى في الاوامر المطلقة التي لم تبين كيفيتها في ضمن الأمر بها، كما في قوله تعالى: «وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ» و قوله عزّ و جلّ: «وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا» و أمّا في الوضوء و قد بين كيفيته بصريح القرآن العزيز غسل فغسل ثمّ مسح فمسح الظاهر بل المعلوم قطعا أن هذه الكيفية بترتيبها و موالاتها غسل الوجه و بعده غسل اليدين ثمّ مسح الرأس و الرجلين معتبرة في حدّ نفسها، و لذلك وجب الترتيب و الموالاة.


و لو قلنا ان الآية ليست بصدد بيان الكيفية و أنّها أوامر أربعة غسل و غسل و مسح و مسح منفردا منعزلا بعضها عن بعض لما وجب الترتيب و لا الموالاة، و لما عرف صدر الإسلام و بعده الى الآن بعنوان الوضوء، أمرا واحدا ذا أجزاء.


و هكذا الامر في التيمم و هو أمر واحد ذو أجزاء من ضرب اليدين بالتراب و مسح الوجه و اليدين كما سيجي‏ء تفصيله في محله، لكن مسئلة التيمم غير خلافية بحمد اللّه، و لم يقولوا فيه بالمسح ثلاث مرّات، كما لم يقولوا في مسح الوضوء! فاذا ثبت أن الوضوء معلوم كيفيته بالقرآن العزيز كانت الكيفية محدودة متبعة لا يجوز لاحد أن يتجاوزها «وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ».


و أمّا الأحاديث الواردة من طرق أهل السنة، فالذى رواه ابن عبّاس قال:


توضأ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مرة مرة لم يزد على هذا، رواه البخارى على ما في مشكاة المصابيح ص 46، فهو المتبع، لانه حبر الأمة يعرف من القرآن ما لا يعرفه الآخرون، و لا يحابى عن عثمان حيث كان يتوضأ ثلاثا ثلاثا و يقول: هذا وضوء رسول اللّه!.


و أمّا الأحاديث الواردة من طرق أهل البيت فمن بين مصرح أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هكذا وصيه على أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يتوضأ مرة مرة، و بين ظاهر هو كالصريح أن وضوء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كانت مرة مرة كما هو قضية الوضوئات البيانية.


فلا مخالفة بين السنة المقطوعة من طرق الفريقين و بين مفاد القرآن العزيز، و هو أن الوضوء انما هو مرة مرة، و لكن لا يذهب عليك أن ذلك بعد غسل اليدين قبل الوضوء كما عرفت وجه ذلك في ص 146.


نعم في بعض الروايات أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يتوضأ مرتين مرتين و سيجي‏ء نقلها في الذيل، لكنها محمولة على التقية أيضا لما روى عن عبد اللّه بن زيد أن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) توضأ مرتين مرتين رواه البخارى كما في المشكاة ص 46.


و قد كان عبد اللّه بن زيد بن عاصم راوية لوضوء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حاكية له، قيل له:


كيف كان رسول اللّه يتوضأ؟ فدعا بوضوء فأفرغ على يديه، فغسل يديه مرتين مرتين، ثم مضمض و استنثر ثلاثا ثلاثا ثمّ غسل وجهه ثلاثا ثمّ غسل يديه مرتين مرتين الى المرفقين ثمّ مسح رأسه بيديه فأقبل بهما و أدبر: بدأ بمقدم رأسه ثمّ ذهب بهما الى قفاه ثمّ ردهما حتّى رجع الى المكان الذي بدأ منه، ثمّ غسل رجليه، رواه مالك و النسائى.


و كيف كان، لو لم يثبت الا هذا الحديث من البصائر و ما يشبهه من الأحاديث التي تدير الامر بين الوضوء مرة مرة، أو التقية و الوضوء ثلاثا ثلاثا لكفى من حيث الانتهاض لنفى الوضوء مرتين مرتين كما لا يخفى.


التالي الأصلية 295داخلي 295/385 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...