بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الثمانون 80 · صفحة 629 من 1342

صفحة
[صفحة 49]
(1) الكافي ج 1 ص 49.


(2) آل عمران: 125، و لفظ الآية: «وَ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَ أَنْتُمْ أَذِلَّةٌ- الى قوله تعالى- أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ* بَلى‏ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا وَ يَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ* وَ ما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى‏ لَكُمْ» الخ.

و الذي عندي أن العمامة كان يلبسها الناس تارة عند أسفارهم حفظا من الغبار و الصعيد المرتفع من الجادة ألا يغبر رءوسهم و أشعارهم و يتلثمون بها دفعا للغبار و التراب أن يدخل فمهم و خياشيمهم، و ربما فعلوا ذلك لئلا يعرفهم الاعداء، و هذا ظاهر من شيمتهم. و قد يكونون يتعصبون بعصابة كالعمة لاجل الوجع و غير ذلك كما فعلوا ذلك بعد خروجهم من الحمام.


و أمّا عند الحرب، فقد كان علامة يعلم بها الشجعان و الابطال كما قال الشاعر:


أنا ابن جلا و طلاع الثنايا* * * متى أضع العمامة تعرفونى‏


و ربما يعلمون بريش النعام كما هو سيرة أبطال الاعاجم في الحرب و قد فعل ذلك حمزة سيد الشهداء في حرب أحد و أمّا الزبير و كان من الابطال تعمم بعمامة بيضاء، و أبو دجانة الأنصاريّ تعمم بعصابة حمراء، لم يعلم غيرهم الا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، عممه الاصحاب حين خروجه من المدينة الى أحد على ما صرّح به الواقدى.


و أشار رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الى عليّ (عليه السلام) أن يتعمم بعمامة الابطال، فتعذر باعوازه، فأمره أن يعلم رأسه بصوف، ففتل (عليه السلام) صوفا و عصب به رأسه كالعمامة امتثالا لامره (ص)، و الظاهر أنّها كانت كالعمة الطابقية.


و عندي أنه- نفسى لروحه الفداء- كان يتهضم أن يعد نفسه في الابطال خصوصا مع صغر سنه، ما قرب العشرين من عمره و عدم خوضه غمرات الحروب بعد، حتى أنه صلوات اللّه الرحمن عليه لم يعلم رأسه بالعمامة و لا غيرها في غزوة الخندق، مع أنّه قد شوهد منه يوم بدر ما لم يشاهد من سائر الابطال، و تثبته و ربط جأشه في حرب أحد و مواساته للنبى (صلّى اللّه عليه و آله) حتّى قيل لا سيف الا ذو الفقار و لا فتى الا على.


لكنه لما- قام صلّى اللّه عليه- الى مبارزة عمرو بن عبد ود، أخذ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عمامته السحاب من رأسه الشريف- و كان معلما به- فعمم به عليّا (عليه السلام) و أرسل طرفا منها الى صدره و طرفا منها الى خلفه و قال: هكذا تيجان الملائكة، يريد بذلك ما يجعل على الرأس علامة يعرف بها لا اكليل الملك، و لذلك قيل: العمائم تيجان العرب، و الا فالعرب متى كانوا ملوكا حتّى يكون تيجانهم العمائم، مع أنهم كانوا يلبسونها في الاسفار و الغزوات و الغارات و الحمامات.


و أمّا في بدر، فلم يكن معشر المسلمين متخذين أهبة القتال، بل كانوا خارجين طلبا للعير يودون أن غير ذات الشوكة تكون لهم، فلم يتعلم بالعمامة يومئذ الا زبير بن العوام، و لما نزلت الملائكة نصرة لهم في زى الابطال مع العمائم البيض، كان يفتخر بذلك.


و انما نزلت الملائكة كذلك ترعيبا لقريش، كما نزلت يوم حنين مع العمائم الحمر:


لما صف المسلمون مع قلة عددهم و اعواز الاسلحة و الفرس بينهم، توهمت قريش أن يكون للمسلمين كمين فبعثوا عمير بن وهب الجمحى فاستجال بفرسه حول العسكر ثمّ صوب الوادى و صعد الاتلال و رجع اليهم فقال: هم ثلاث مائة يزيدون قليلا أو ينقصون، ليس يرى لهم كمين و مدد، فتعجبت قريش من جسارة المسلمين مع هذه العدة و العدة كيف صفوا في مقابلهم و هم زهاء عشرة آلاف و أكثرهم الابطال، و لما اطمأنوا أن لا مدد للمسلمين تجرأ أبو جهل فقال: احملوا عليهم، ما هم الا أكلة رأس، و لو بعثنا اليهم عبيدنا لاخذوهم أخذا باليد.


فلما التقى الجمعان، و حمى الوطيس، نزلت خمسة آلاف من الملائكة مسومين، فتراءت في أعين المشركين أن جما غفيرا من الابطال معلمين بعلامة الشجعان انحدرت من أعلى الوادى كالسيل، يهجمون عليهم فلم تر قريش الا و أن هذا الجم الغفير من الشجعان كان كمينا للمسلمين و مددا لهم على قريش فصفروا استهم و انتفخ سحرهم و انهزموا مدبرين لا يلوون على شي‏ء و هكذا تنزلت الملائكة يوم حنين معلمين بالعمائم الحمر و أرعبوا المشركين.


هذا شأن نزول الملائكة مسومين بتيجان العمائم علامة الابطال، الا أن الملائكة كانوا قد أرسلوا طرف العمامة ارسالا، و شأن العرب و منهم قريش أنهم كانوا يعلمون بالعمائم يغتبطون اغتباطا، فنهى رسول اللّه عن كل عمّة- اذا كانت العمة للغزو- الا بزى الملائكة؛ و نهى عن العمة الطابقية لذلك، و أمّا إذا لم يكن العمة للحرب، بل كان في السفر للحفظ عن الغبار و التراب الصاعد، فالسيرة المعروفة عندهم التلحى بالعمائم تحت الحنك و فوق اللحى شبه اللثام حائدا عن الغبار و مضاره، و لم يرد من نزول الملائكة و لا غيره ما ينافى هذه السيرة، الا ما أيدته الاخبار الكثيرة بأن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أمر بالتلحى و ادارة العمامة تحت الحنك. فاذا تحرر محل النزاع و محط الأحاديث و موارد الاخبار فعليك بمراجعة أخبار الباب.


التالي ص 629/1342 — الأصلية 49 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...