و في هذا دلالة على أن الخشوع في الصلاة يكون بالقلب و بالجوارح فأما بالقلب فإنه يفرغ قلبه بجمع الهمة لها و الإعراض عما سواها فلا يكون فيه غير العبادة و المعبود و أما بالجوارح فهو غض البصر و الإقبال عليها و ترك الالتفات و العبث قال ابن عباس خشع فلا يعرف من على يمينه و لا من على يساره و
روي أن رسول الله ص كان يرفع بصره إلى السماء في صلاته فلما نزلت هذه الآية طأطأ رأسه و رمى ببصره إلى الأرض.
انتهى.
أقول و قد عرفت أن غض البصر ليس من الخشوع المطلوب في الصلاة إلا ما ورد في رواية حماد في الركوع (2) و قد مر مع ما يعارضه خصوصا و سيأتي بعض الأخبار فيه مع معارضاتها.
و في رواية زرارة اخشع ببصرك و لا ترفعه إلى السماء.
و أما خشوع الجوارح فهو حفظها عما لا يناسب الصلاة أو ينافي التوجه إليها بالقلب و قيل هو فعل جميع المندوبات و ترك جميع المكروهات المتعلقة بالجوارح المبينة في الفروع و فسر بعض أهل اللغة و بعض المفسرين الخشوع في الأعضاء بالسكون (3) و يؤيده
(2) ما ورد في رواية حماد هو الغمض، و لا يكون الا باطباق الجفنين و اما الغض فهو الاغضاء و كف الطرف و كسره فهو دون ذلك شبه الغمض، و قد اشتبه عليه ذلك (رضوان اللّه عليه)، كما أشرنا إليه قبل ذلك في ص 212 و قد عرفت في ص 188 أن الخشوع يتعلق بالقلب و الصوت و البصر بدلالة القرآن المجيد و كلها مراد في هذه الآية لاطلاقها.
(3) و ذلك لان أصل الخشوع هو التخفض و التطامن، اذا كان عن ذل، فخشوع الصوت بأن لا يعتلى فلا يسمع الا همسا، و خشوع البصر بأن يتخفض و يكف فلا ينظر الا الى الأرض و خشوع الجوارح كالمنكبين و اليدين و الأصابع بأن يسترسل مادا الى الأرض و خشوع القلب بأن لا يطغى الى هاهنا و هاهنا من أمور المعاش و الحياة، بل يكون ساكنا بذكر اللّه عزّ و جلّ و حمده و ثنائه و لا يكون ذلك الا بالتوجه الى قراءته و تسبيحه و تحميده، لا يكون ذلك لقلقة لسان كالاوراد العرفانية التي تلوكها الدراويش.