بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الرابع والثمانون 84 · صفحة 141 من 452

صفحة
[صفحة 116]

باب 6 فضل صلاة الليل و عبادته‏

الآيات آل عمران‏ وَ الْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ (1) و قال تعالى‏ لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَ هُمْ يَسْجُدُونَ‏ (2) الإسراء وَ مِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى‏ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً (3)


____________


(1) آل عمران: 17.

(2) آل عمران: 113.

(3) أسرى: 79، و معنى التهجد هو النوم و اليقظة يقال له بالفارسية (بيدار خوابى) قال الجوهريّ هجد و تهجد، أي نام ليلا، و هجد و تهجد: أى سهر، و هو من الاضداد، و منه قيل لصلاة الليل التهجد. و عندي أن لغات الاضداد سواء كان في المصادر أو الأسماء هو اجتماع الضدين على الترتيب، لا أنّه يستعمل تارة في هذا و تارة في ضده، من دون قرينة، فالجون في الأسماء هو الابيض و الأسود كالذى فيه بياض و بجنبه سواد و هكذا، و في المصادر و منه التهجد أن ينام الرجل نومة و يستيقظ فيسهر أخرى و هكذا، و قد كان يفعل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كذلك في تهجده بعد نزول الآية الكريمة:

روى الشيخ في التهذيب (ج 1 ص 231) عن معاوية بن وهب قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول- و ذكر صلاة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: كان يؤتى بطهور فيخمر عند رأسه و يوضع سواكه تحت فراشه، ثمّ ينام ما شاء اللّه، فإذا استيقظ جلس ثمّ قلب بصره في السماء ثمّ تلا الآيات من آل عمران‏ «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» الآيات ثمّ يستن و يتطهر ثمّ يقوم الى المسجد فيركع أربع ركعات على قدر قراءته ركوعه، و سجوده على قدر ركوعه يركع حتّى يقال: متى يرفع رأسه و يسجد حتّى يقال: متى يرفع رأسه، ثمّ يعود الى فراشه فينام ما شاء اللّه، ثمّ يستيقظ فيجلس فيتلو الآيات من آل عمران، و يقلب بصره في السماء ثمّ يستن و يتطهر و يقوم الى المسجد و يصلى الاربع ركعات كما ركع قبل ذلك، ثمّ يعود الى فراشه فينام ما شاء اللّه، ثمّ يستيقظ و يجلس و يتلو الآيات من آل عمران و يقلب بصره في السماء ثمّ يستن و يتطهر و يقوم الى المسجد فيوتر و يصلى الركعتين ثمّ يخرج الى الصلاة.


و روى الكليني (الكافي ج 3 ص 445) بإسناده عن الحلبيّ عن أبي عبد اللّه مثله، و قال (عليه السلام) بعد ذلك: «لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، قلت: متى كان يقوم؟


قال: بعد ثلث الليل، و في حديث آخر بعد نصف الليل.


و روى في مشكاة المصابيح (ص 107) عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف قال:


ان رجلا من أصحاب النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال: قلت و أنا في سفر مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): و اللّه لارمقن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) للصلاة حتّى أرى فعله، فلما صلى صلاة العشاء و هي العتمة اضطجع هويا من الليل ثمّ استيقظ فنظر في الافق فقال: ربنا ما خلقت هذا باطلا- حتى بلغ الى- انك لا تخلف الميعاد، ثمّ اهوى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الى فراشه فاستل منه سواكا ثمّ أفرغ في قدح من إداوة عنده ماء فاستن ثمّ قام فصلى حتّى قلت قد صلى قدر ما نام ثمّ اضطجع حتّى قلت قد نام قدر ما صلى ثمّ استيقظ ففعل كما فعل اول مرة و قال مثل ما قال، ففعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ثلاث مرّات قبل الفجر. رواه النسائى.


و روى عن يعلى بن مملك أنّه سأل أمّ سلمة زوج النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) عن قراءة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و صلاته، فقالت: و ما لكم و صلاته؟ كان يصلّي ثمّ ينام قدر ما صلى ثمّ يصلى قدر ما نام ثمّ ينام قدر ما صلى حتّى يصبح ثمّ نعتت قراءته (ص) فاذا هي قراءة مفسرة حرفا حرفا، رواه أبو داود و النسائى.


أقول: لا يذهب عليك أن صلاة الليل قد كانت فريضة عليه (ص) قبل ذلك بآية المزّمّل: «قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ... وَ رَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ... إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَ أَقْوَمُ قِيلًا» و في هذه الآية فرض عليه (ص) التهجد بالليل و لذلك فرق النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) صلاة ليله بين نومة و نومة و نومة على ما عرفت من معنى التهجد و شهدت به روايات الفريقين.

و قوله عزّ و جلّ: «نافِلَةً لَكَ» ينظر الى ما في قوله عزّ و جلّ قبل هذه الآية: «أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى‏ غَسَقِ اللَّيْلِ وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً» و المراد بما افترض فيها عليه (ص) اقامة صلاة المغرب و صلاة الفجر على ما عرفت في ج 82 ص 317، و المعنى أن هاتين الصلاتين اللتين فرض عليك اقامتهما في هاتين الوقتين كرامة مسبوقة و قد فرض على الأنبياء قبلك، و سيفترضان على امتك بالمدينة، و اما التهجد بالليل و الصلاة خلال التهجد فهو زيادة على ذلك، جعلناه عطية لك خاصّة و كرامة خصصتك بها، و عسى اللّه- عزّ و جلّ- أن يبعثك بهذه العطية و الكرامة مقاما محمودا يغبطك به الاولون و الآخرون.


التالي ص 141/452 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...