. قال ثم أخبر سبحانه عن جماعة قابلوا أكرم الكرم بالأم اللؤم فقال وَ إِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً (2) أي عاينوا ذلك و قيل معناه إذا علموا بيعا أو شراء أو لهوا
____________
(1) النور: 37.
(2) ظاهر سياق الآية و عدم اتساقها مع سائر آيات السورة، يدل على أنّها نزلت في سياق آيات أخر تذم المنافقين و من حذا حذوهم بأنهم لا يهتمون بصلاتهم، حتى أنهم في يوم الجمعة أو العيدين ربما آثروا اللهو و التجارة على خطبة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و مواعظه، فتركوه قائما يخطب و ليس حوله الا قليل من المسلمين.
و عندي أنّها نزلت في خطبة العيدين ثمّ ألحقت بالسورة لكونهما فرعا على صلاة الجمعة و ذلك لان الخطبة في صلاة العيدين كانت تلقى بعد تمام الصلاة، و لكونها سنة في غير فريضة كان الاخذ بها فضيلة و تركها الى غير خطيئة، الا أنّه إذا كان تركها بالاعراض عنها أو ايثار اللهو و التجارة عليها من دون حاجة إليها كان مذموما غير جائز، فناسب مقابلة التاركين لهذه السنة بقوله عزّ و جلّ: «قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَ مِنَ التِّجارَةِ، وَ اللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ» و أمّا إذا جعلنا الآية ناظرة الى خطبة الجمعة، كما هو المشهور بين المفسرين، فلا مناص من القول بأنها نزلت قبل آيات الجمعة حين لم تكن صلاة الجمعة مفروضة بأحكامها و متعلقاتها من وجوب السعى و تحريم البيع و التعامل بل كان صلاة الجمعة حين نزولها من السنن، لا يجب استماع خطبتها على حدّ سائر السنن، حتى يناسب مقابلة التاركين لخطبتها بالذم فقط.
فلو قيل بأن هذه الآية نزلت مع سائر آيات السورة تتمة لها و ملحقة بآيات الجمعة لكان حكمها بعدم تحريم الانتشار و الاشتغال باللهو و التجارة ناسخا لآية الجمعة و أحكامها قبل العمل بها، و هذا مع أنّه لغو باطل لا يصدر عن الحكيم تعالى، لم يتفوه به أحد من المسلمين.
و أمّا على القول بأن المراد بقوله عزّ و جلّ «وَ تَرَكُوكَ قائِماً»: قائما في الصلاة، لا قائما في الخطبة: فالامر أشكل و أشكل، فان ترك الخطبة و الذهاب الى اللهو و التجارة أهون من ترك الصلاة نفسها أو قطعها و ابطالها، و هو واضح.
و أمّا حكم اللهو و الاستماع له فقد مر بعض الكلام فيه في ج 79 ص 248، راجعه.