بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء السادس والثمانون 86 · الصفحة الأصلية 139 / داخلي 139 من 390

[صفحة 139]

تفصيل و لنذكر الأحكام المستنبطة من تلك الآيات مجملا


الأول أن تلك الآيات تدل على وجوب صلاة الجمعة عينا في جميع الأزمان و لنذكر أولا الاختلافات الواقعة فيها ثم لنتعرض لوجه الاستدلال بالآيات على ما هو الحق عندي منها.


اعلم أنه لا خلاف بين الأمة في وجوب صلاة الجمعة وجوبا عينيا في الجملة و إنما الخلاف في بعض شرائطها و الكلام على وجوه تفصيلها أنه هل يشترط الإمام أو نائبه‏ (1) أم لا و على تقدير الاشتراط هل هو شرط الانعقاد أو شرط الوجوب‏


____________

(1) الإمامة التي تعتقدها الشيعة الإماميّة انما تساوق معنى الولاية و تستلزم العصمة من اللّه عزّ و جلّ في العلم و العمل متأيدة بالروح القدس و اشاراته و الهاماته، و هذا معنى لا يتصور فيه النيابة حتّى يدعيها مدع، الا من اشتبه عليه لفظ الإمامة بالمعنى الذي تعتقده الجمهور حيث لا يعتقدون بالعصمة و الولاية و انما هي عندهم بمعنى سياسة شئونهم و تدبير أمرهم كما كان يتكفل السلاطين و الامراء شئون أمتهم و سياسة مجتمعهم.

فالامام عندنا هو الذي جهزه اللّه بحقيقة العلم و الحكمة و ميزه بالولاية التكوينية و أصدره من لباب المعرفة، ثمّ نصبه علما هاديا و وليا مرشدا يهدى الى طريق الحق و صراط مستقيم.


يتلو عليهم آيات اللّه مبينة، و يعلمهم الكتاب و الحكمة، و يرشدهم الى معالم السنة و يزكيهم عن ادناس الشبهة و في كل ذلك معتصم بعصمة اللّه عزّ و جلّ مؤيد بالروح القدسي‏ «يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَ يَهْدِيهِمْ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» فاذا كانت الإمامة بهذا المعنى، و الولاية و العصمة من شئونها و أسرارها، فكيف تقبل النيابة، و كيف يجترئ أحد على ادعائها! أ هناك من يقف موقف الامام و يغنى مغناه؟


أو من يقوم بأعباء الإمامة و الولاية و يسد مسدها؟


أو هل عرفت أحدا من الفقهاء صدر من لباب العلم و الحكمة؟ أو عرف الكتاب- و فيه الهدى و النور- حق معرفته فلم يقل انه ظنى الدلالة، أو أيقن بأن هذا ... حكم اللّه عزّ و جلّ، و لم يتعذر بأن ظنية الطريق لا تنافى قطعية الحكم، أو ... أو ...


نعم قد جعل للفقهاء كثر اللّه أحياءهم منصب القضاء و جواز الافتاء، و ذلك من زمن الباقرين (عليهما السلام)، حيث بلغ كثير من أصحابهما (رضوان اللّه عليهم) مبلغ الفتوى و تولية القضاء لكنه منصب لا يتقلده المفتى بعنوان النيابة عن الامام و لذلك لم يختص بزمن الغيبة، بل هو منصب كسائر المناصب المجعولة، يقلدها الامام لمن تصداه كامارة الحاجّ، و ولاية الثغور، و بعث السرايا.


فوظيفتهم التورع عن المحارم، و التحرّي لمعرفة حقائق الاحكام، و الاجتهاد في الدين و لو أن أحدا اتبع الشيطان و عبد الطاغوت و تعدى ما بعث لاجله كما فعل خالد بن الوليد حين بعثه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الى بنى جذيمة من كنانة، لكان مثله، و لقال فيه الامام كما قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) رافعا يديه الى السماء: اللّهمّ إنّي أبرأ إليك ممّا صنع خالد بن الوليد ثلاث مرّات.


و أمّا الحكومة و القضاء في الأمور التي تعرض الأمة الإسلامية و مجتمعهم، فأمرهم كان إلى اللّه و رسوله ص ، لكنه مع ذلك أمر رسوله ص أن يستشيرهم في تلك الأمور و يكون هو الامير في شوراهم، و ذلك بعد ما تولوا يوم التقى الجمعان و قالوا لاخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزّى لو كانوا عندنا ما ماتوا و ما قتلوا، و كثر القيل و القال في ذلك حتى أنكروا عليه من الخروج من المدينة، و قد كانوا هؤلاء الناقدين أشاروا إليه ص بأن يغزوا المشركين في أزقة المدينة و حوائطها فأنزل عليه: «فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ، فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ»، و هكذا مدح المؤمنين في آية الشورى باستشارتهم في الأمور حيث قال عزّ و جلّ: «وَ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ أَمْرُهُمْ شُورى‏ بَيْنَهُمْ وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ».


التالي الأصلية 139داخلي 139/390 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...