بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء السادس والثمانون 86 · الصفحة الأصلية 245 / داخلي 245 من 390

[صفحة 245]

بصره تبصيرا أي جعله بصيرا و عرفه و المعتبر أيضا يحتمل المكان و المصدر و الاعتبار الاتعاظ و الخلف بالتحريك كل من يجي‏ء بعد من مضى و كذا بالسكون إلا أنه بالتحريك في الخير و بالتسكين في الشر و في المقام أعم و الأخلاف جمعه.


وَ حَرامٌ عَلى‏ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها (1) أي ممتنع على أهل قرية حكمنا بإهلاكها


____________

(1) الأنبياء: 95، و المراد بالحرام في لغة العرب ما نعبر عنه بالفارسية غدغن و معناه العزيمة المؤكدة كالتي يصدر من الملوك و الحكام في الأمور الاجتماعية و نظام المجتمع اذا كانت ذات أهمية خاصّة، فيهدد ناقض تلك العزيمة و الهاتك لهذه الحرمة بأشد النكال و النقمة.

و تلك العزيمة قد يكون في أمر يجب اتيانه و قد يكون في أمر يجب الانتهاء عنه، يستفاد ذلك بالقرائن اللفظية و الحالية و المقامية، كما قال عزّ و جلّ: «قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ: أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَ إِيَّاهُمْ وَ لا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ وَ لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، وَ لا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَ أَوْفُوا الْكَيْلَ وَ الْمِيزانَ بِالْقِسْطِ- لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها- وَ إِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَ لَوْ كانَ ذا قُرْبى‏ وَ بِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ‏ (الانعام:


151- 152).

فقد عزم اللّه عزّ و جلّ في هذه الأمور و بعضها فعل و بعضها ترك فعل و قد ورد بذلك آيات كثيرة في القرآن الكريم و على ذلك قول الخنساء:


و ان حراما لا أرى الدهر باكيا* * * على شجوة الا بكيت على صخر


فعلى هذا يكون معنى قوله عزّ و جلّ: «وَ حَرامٌ عَلى‏ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ» واضحا لا ريب فيه، يعنى أننا عزمنا عزيمة مؤكدة مولوية على القرى التي نستأصل أهلها بالعذاب و النقمة أنهم لا يرجعون الى الحياة الدنيا في الرجعة، فتفيد الآية بمفهومها أن غيرهم قد يرجع الى الدنيا كما تعتقده الشيعة الإماميّة تبعا لائمة أهل البيت عليهم الصلاة و السلام و التحية و الإكرام.


و لعلّ الوجه في ذلك أن اللّه عزّ و جلّ انما خلق الموت و الحياة ليبلوهم أيهم أحسن عملا، و قد لا يتهيأ في نظام الخلقة و خصوصا في أدوار الفترة بلاؤهم و فتنتهم بحيث يظهر سرائرهم و تتم الحجة عليهم (فيقضى عليهم اما بالنار أو الجنة قضاء حتم) أو يحول بين بلائهم الموت المقدر لهم من دون أن يكون ذلك نقمة عليهم و استئصالا لهم، فلا بد من رجوعهم الى الحياة الدنيا ليتم بلاؤهم، على ما ورد بذلك روايات أهل البيت (عليهم السلام).


و لعلّ ما ورد في روايات أهل البيت (عليهم السلام) أن تمام الرجعة أو جلها و معظمها انما تكون بعد ظهور دولة الحق بظهور المهدى المنتظر عليه الصلاة و السلام- حيث يكون الجو صالحا لاعمال الخير، و دعائم الشيطان و الطغيان منكسرة بالعكس من أيامنا هذه انما هو لئلا يعذر معتذرهم يوم القيامة أنّه قد عاقه عن الخير و العمل الصالح ما كان مسلطا على جوه مع الطغيان و وساوس الشيطان، أو يدعى مدعيهم بأن ولادته في البيت الفلانى الغاشم الظالم أو مجتمع الشرك و الضلال و بيئة الفحشاء و الفساد هو الذي أخذ بناصيته الى الكفر و العصيان، و لذلك يحكى القرآن العزيز عنهم: «رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَ أَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى‏ خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ» و أمّا إذا كان في عمل الإنسان الواحد أو القوم و المجتمع ما يسجل عليه او عليهم البوار و النار قضاء حتم كالذى يستعجل بالشر و يباهل النبيّ أو يقترح عليه أن يأتي بآية كذا و كذا فيؤتاه و لا يؤمن به عنادا، أو يقتل نفسه دفعا للبلاء الذي توجه إليه و غير ذلك من الموارد التي لا مجال للبحث عنها، فحينئذ يتم بلواؤه و يظهر سريرته و يحتم عليه بالهلاك و إذا أهلكه اللّه عزّ و جلّ بعذاب نازل إليه أو اليهم لا يبقى مجال لاقالتهم عن البلوى الأولى، و ارجاعهم الى دار الامتحان مجددا و هو واضح.


و أمّا قوله عزّ و جلّ: «حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ. كَلَّا! إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها. وَ مِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى‏ يَوْمِ يُبْعَثُونَ» (المؤمنون: 100) فلا ينافى الرجعة أبدا كما أنّه لا ينافى قوله عزّ و جلّ: «رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَ أَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى‏ خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ» و غير ذلك من الآيات التي تنص على أن هناك موتين و حياتين.


و ذلك لان الآية نزلت في جمع خاصّ من معاندى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و قد حتم عليهم بالنار قضاء حتم، حيث يقول عزّ و جلّ قبلها «قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ* وَ إِنَّا عَلى‏ أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ‏ ... حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ» الآية.


فعلى هذا عدم رجوع هذه الجماعة من المعاندين الذين وعد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) اهلاكهم، و هم الذين أهلكهم اللّه ببدر، انما كان طبقا لحكم هذه الآية الكريمة: «وَ حَرامٌ عَلى‏ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ» و لا منافاة بينهما و هو واضح.


التالي الأصلية 245داخلي 245/390 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...