تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء السادس والثمانون 86 · صفحة 250 من 831
صفحة
[صفحة 294] (2) تنص هذه الجملة على أن الطائفة الراصدة انما تقوم خلف المصلين أبدا كانت القبلة في جهة العدو، أو خلاف جهتهم، و يستفاد من ذلك أن أمام المصلى يجب أن يكون فارغا لا يمر بين يديه أحد من المارة و لا يقوم بازائه احد، كما مرّ في ج 83 ص 294.
و ما يقال ان هذه الصلاة بالكيفية المعهودة انما تقام إذا كانت القبلة في خلاف جهة العدو، حتى يكون الطائفة الراصدة خلف المصلين تواجه الاعداء، و استأنسوا على ذلك أو استدلوا عليه بقوله عزّ و جلّ هذا «فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ»، ثمّ حملوا الآية الكريمة على صلاة ذات الرقاع حيث كانت العدو في خلاف جهة القبلة لذلك، فليس بشيء.
و ذلك لان ظاهر الآية الكريمة أنّها نزلت قبل هذه الوقائع تبين لهم وظيفتهم في السفر و عند موارد الخوف و إمكان رفع الخطر موقتا بالتعبية كذلك، و لذلك عمم و قال:
فحيثما ابتلى المسلمون بالسفر و مخافة العدو: أن يهجموا عليهم، و كان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أو من يقوم مقامه في جمع شمل المسلمين فيهم و بامكانه أن يفرق المسلمين فرقتين: فرقة تصلى و فرقة ترصدهم وجب اقامة الصلاة كذلك، و لا يشترط في اقامتها غير هذه الشروط المذكورة.
على أنك قد عرفت في صدر الباب السابق عند البحث عن الآية الكريمة ان صلاة السفر في مقابلة العدو و الخوف من فتنتهم انما تقام على هذه الكيفية ليرتفع بهذه التعبية و الرصد خوف فتنتهم بالفعل و موقتا، و هذا انما يكون إذا صادفوا العدو، و قاموا في وجههم لا يدرون مآل الامر أنهم يحاربون أولا، كما كان الامر في صلوات الرسول ص غزوة ذات الرقاع و عسفان و بطن نخل.
و أمّا إذا نشبت الحرب بينهم أو عزم الامر على ذلك بمواجهة القتال فصار خوف الهجوم منهم بالفعل كانت الصلاة صلاة مطاردة بالتكبير و التسبيح و التهليل كما وقع في بعض أيام غزوة الخندق، امتثالا لقوله تعالى: «فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً» فالقيام في وجه العدو انما يجب في هذه الصلاة لا غيرها.
و يؤيد ذلك أن الأئمّة الاطهار عليهم صلوات اللّه الرحمن انما تعرضوا لصلاة الخوف بوجه واحد طبقا لحكم الآية الكريمة، و لا يكون ذلك الا لعموم حكم الآية لجميع موارد الخوف و اطلاقها بالنسبة الى موقف الاعداء و كونهم في جهة القبلة أو خلافها.
بل و عندي أن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) انما صلى بهذه الكيفية فقط، و سائر ما ورد من طرق الجمهور، و قد ناهض الى ستة عشر وجها، فكلها آراء الصحابة و التابعين توهموها على الآية الكريمة فاختار كل ما وجدها أنسب بظاهر الآية، و سيأتي تمام الكلام فيها عند تعرض المؤلّف العلامة لبعضها إنشاء اللّه تعالى.