اعلم أن الأصحاب اختلفوا في أنه هل يعتبر في قصر المسافر حد يصل إليه ذهابا و عودا أم لا فقال الشيخ علي بن بابويه إذا خرجت من منزلك فقصر حتى تعود إليه و ذهب المرتضى و الشيخ في الخلاف و العلامة و جماعة من المتأخرين إلى اشتراط خفاء الجدران و الأذان و ذهب الأكثر إلى أن المعتبر أحد الأمرين المذكورين و نسبه الشهيد الثاني إلى أكثر القدماء و قال ابن إدريس الاعتماد عندي على الأذان المتوسط و الصدوق في المقنع اعتبر خفاء الحيطان و القائلون بالجمع جمعوا بين الأخبار بذلك و القائلون بالتخيير جمعوا بينها بالحمل على أن كلا منهما كاف لذلك و هو أصوب.
ثم المشهور اتحاد حكم الذهاب و العود و ذهب المرتضى و ابن الجنيد إلى أنه يجب عليه التقصير في العود حتى يبلغ منزله. (2)
____________
(1) قرب الإسناد ص 89 ط نجف.
(2) و هذا هو الصحيح، فان ملاك القصر ليس هو نية المسافة و إرادة السفر فقط، بل اللازم فيه التلبس بالسير ليصدق عليه الضرب في الأرض، و ليس يصدق عليه ذلك عند أهل البيت (عليهم السلام) الا بعد الخروج عن البلد و الابتعاد منه حتّى يخفى الجدران المتعارفة، و إذا كانت البلد رفيعة البنيان، فحتى يخفى الصوت الرفيع منه بالاذان، و اما عند المراجعة الى البيت فلا يلزم مراعاة ذلك، فان عنوان السفر و الضرب في الأرض بعد ما تحقّق، لا يرتفع الا بالوصول الى المقصد، و المقصد هو بيته أو بيت تجارته، أيهما دخل أتم الصلاة.
و هكذا إذا كان له دار أو ضيعة أو نخلة يمر عليها في سفره، انما يكون الدخول فيها قاطعا لحكم السفر، اذا كان احدى هذه التي ذكرناها مقصدا له، و أمّا إذا لم يكن من قصده الدخول الى تلك الدار أو الضيعة أو النخلة، بل كان قصده السير الى ما وراءها و انما وصل إليها لاتحاد الطريق، فله أن ينزل خارج الدار و الضيعة و يقصر صلاته.