تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الثامن والثمانون 88 · الصفحة الأصلية 364 / داخلي 364 من 395
»»
[صفحة 364]
بيان: قال الجوهري غشي المرأة و تغشاها جامعها فأمرتك أن تزيد ظاهره أن السبعين في الآية الكريمة ليس كناية عن مطلق الكثرة بل خصوص العدد مخصوص فيدل بمفهومه على أنه ينفع الاستغفار لهم بأزيد من السبعين فإذا كان الدعاء للمنافقين مع عدم قابليتهم للرحمة نافعا بأزيد منه فينفع المؤمن بالطريق الأولى و يحتمل أن يكون المراد أنه لما ذكر الله سبحانه السبعين في مقام المبالغة في عدم استحقاقهم للمغفرة فيدل على أن هذا العدد نصاب ما يرجى به الإجابة و أنا زدت عليه أيضا فيكون أحرى بكونه سببا للإجابة و الأول أظهر لفظا و الثاني معنى (1).
____________
(1) و عندي أن المراد بالسبعين في قوله عزّ من قائل: «اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ» (براءة: 80)، هو الإشارة الى ما صنعه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في غزوة أحد في الصلاة على حمزة سيد الشهداء و اعزهم على رسول اللّه، حيث كبر عليه خمس تكبيرات أولا، ثمّ أتى بالقتلى واحدا واحدا يوضعون الى حمزة، فيصلى عليهم و عليه مع كل واحد منهم، حتى صلى على حمزة سبعين صلاة، و معلوم من كرامته ص على اللّه عزّ و جلّ أنّه لم يكن ليستغفر لاحد بهذه المثابة من الشفقة، و هذه المرتبة من التحنن و الرأفة و الوجد، الا و يغفر اللّه له ما قد سلف، و يبلغ به الدرجات العلى في اعلى عليين، كما فعل بسيدنا حمزة أسد اللّه و أسد رسوله (صلوات اللّه عليه).
و مفاد الآية الكريمة ان الاستغفار بالنسبة الى المنافقين- سواء استغفر لهم الرسول، او استغفروا هم لانفسهم- لم يكن ليجديهم نفعا ابدا، فان حقيقة الاستغفار هو الاعتذار إلى اللّه عزّ و جلّ و طلب المغفرة و الرضوان منه ليتوب على العاصى و يعفو عن سوء صنيعه، و هذا المعنى انما يلحق المؤمنين الذين عملوا السوء بجهالة ثمّ ندموا عن قريب، فاعتذروا إلى اللّه عزّ و جلّ ليتوب عليهم بالمغفرة. و أمّا المنافقون الذين كفروا باللّه و رسوله باطنا، و فسقوا عن أمره معاندة و مضادة، انما يكون اعتذارهم و استغفارهم صوريا كالاستهزاء باللّه و رسوله، فاللّه يستهزئ بهم و يمدهم في طغيانهم يعمهون.
فعلى هذا «اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ» كلاهما سيان، كما صرّح بذلك في سورة المنافقون «سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ»، حتى أنك لو استغفرت لهم سبعين مرة كما صنعت قبل ذلك لحمزة سيد الشهداء، فأجابك اللّه و بلغ به الدرجات العلى، لا يجديهم نفعا، و لم يكن اللّه ليغفر لهم، ذلك، بأنهم كفروا باللّه فكيف يستغفرونه؟ و كفروا بالرسول فكيف يستشفعون منه؟ و فسقوا عن أمر ربهم مصرين على مضادتهم و اللّه لا يهدى القوم الفاسقين.
و لو أنهم اذ ظلموا أنفسهم جاءوك- مؤمنا- فاستغفروا اللّه- مخلصا- و استغفر لهم الرسول- تحننا و اشفاقا- لوجدوا اللّه توابا رحيما.
و أمّا رقم السبعين، فلا دخالة لها في الغفران لا نفيا بالنسبة الى المنافقين و المشركين و لا اثباتا بالنسبة الى المؤمنين كحمزة سيد الشهداء، و انما صلى رسول اللّه على حمزة و استغفر له سبعين مرة، لان قتلى أحد كانوا سبعين و هو أحدهم: خصه بواحد منها و أشركه مع السائرين فصارت سبعين، و لو أنهم كانوا أقل من ذلك أو أكثر لصلى عليه معهم عدد القتلى من دون زيادة و نقيصة، كما أن وصية أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه الصلاة و السلام صلى على سهل بن حنيف خمسا كذلك.
و أمّا ما قد يقال: ان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لم يصل على شهيد، فهذا انما كان بعد نزول قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ وَ الْقُرْآنِ، وَ مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» براءة: 111.
فعلى ما مر في ج 79 ص 208 و غير ذلك من الموارد: الشراء و الاشتراء هو ما نسميه في عرفنا بالعرضة و التقاضى، فالشارى من له متاع قد عرضه للبيع و لم يبعه بعد و المشترى من له حاجة بمتاع و يأتي السوق ليجده و يبتاع، و لم يجده بعد، فإذا وجده عند ذاك الشارى و ابتاعه منه فقد تمّ البيع و حينئذ يكون أحدهما البائع و الآخر المبتاع و انتفى الشراء و الاشتراء.