بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الثامن والثمانون 88 · صفحة 204 من 514

صفحة
[صفحة 139]

فِيهَا الْقَمَرُ- وَ فِي الْيَوْمِ وَ اللَّيْلَةِ الَّتِي تَكُونُ فِيهَا الرِّيحُ السَّوْدَاءُ- وَ الرِّيحُ الْحَمْرَاءُ وَ الرِّيحُ الصَّفْرَاءُ- وَ فِي الْيَوْمِ وَ اللَّيْلَةِ الَّتِي تَكُونُ فِيهَا الزَّلْزَلَةُ- وَ لَقَدْ بَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ص عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ- فِي لَيْلَةٍ انْكَسَفَ فِيهَا الْقَمَرُ فَلَمْ يَكُنْ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ مَا يَكُونُ مِنْهُ فِي غَيْرِهَا- حَتَّى أَصْبَحَ فَقَالَتْ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ- أَ لِبُغْضٍ هَذَا مِنْكَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ- قَالَ لَا وَ لَكِنْ هَذِهِ الْآيَةُ ظَهَرَتْ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ- فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَلَذَّذَ وَ أَلْهُوَ فِيهَا- وَ قَدْ عَيَّرَ اللَّهُ تَعَالَى أَقْوَاماً فِي كِتَابِهِ- فَقَالَ‏ وَ إِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً- يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ- فَذَرْهُمْ‏ يَخُوضُوا وَ يَلْعَبُوا- حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ‏- ثُمَّ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)وَ ايْمُ اللَّهِ لَا يُجَامِعُ أَحَدٌ- فَيُرْزَقُ وَلَداً فَيَرَى فِي وَلَدِهِ ذَلِكَ مَا يُحِبُّ.


. و قد مر تفسير سائر الآيات و الغرض من إيرادها بيان أنها من آيات الساعة (1)


____________


(1) و من الآيات التي تتعلق بالباب، بل هي أساس الحكم لصلاة الآيات قوله عز من قائل: «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ» الى آخر السورة حيث يجعل انشقاق القمر من دلائل قرب الساعة و يعده آية، ثمّ يرد فيها بآية الطوفان لقوم نوح، و الريح الصرصر لقوم عاد، و الصيحة لقوم ثمود، و امطار الحصباء لقوم لوط، و اغراق اليم لال فرعون، و يعد كل واحدة منها آية للعذاب على حدة.

و انما كان انشقاق القمر من علامات الساعة، لان الساعة- على ما يظهر من تضاعيف آيات اللّه- انما تقوم بطريان هذه الاحداث: ينفجر القمر و يتصدع صخورها و جبالها فيتخلى ما فيها من موادها المذابة ترى وردة كالدهان: تارة أحمر و اخرى أصفر و أزرق كما قال عزّ و جلّ: «فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ»، كما أن الأرض انما تقوم الساعة عليها كذلك قال اللّه عزّ و جلّ: «إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ وَ أَذِنَتْ لِرَبِّها وَ حُقَّتْ وَ إِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ وَ أَلْقَتْ ما فِيها وَ تَخَلَّتْ وَ أَذِنَتْ لِرَبِّها وَ حُقَّتْ» الانشقاق: 1- 5، و لا تحصل ذلك بالارض الا بصيحة قارعة تقرع الاسماع كما قال عزّ و جلّ: «الْقارِعَةُ مَا الْقارِعَةُ وَ ما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ: يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ وَ تَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ» و انما كان انشقاق القمر دليلا على اقتراب الساعة، لان انفجاره و انفطاره لا يكون الا بتقشف قشره بأن تنحبس الغازات الملتهبة من مواد مذابها و تتكثف الى أن تغلب على مقاومة القشر فتخرج بانفجار و تصدع و زلزلة و رجة في أرضها و صيحة و دخان و أحيانا اشتعال نار في جوها المحيط بها، الا أن تلك الحوادث تكون خفيفة عند ما كان تقشف القشر يسيرا و أمّا إذا مضى برهة من الدهر و صار التقشف و التحجر في سطحها ضخيمة، تكون تلك الحوادث شديدة بحيث قد يتصدع الكرة فلقتين كما كان من انشقاق القمر على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أخبر به القرآن الكريم.


فاذا مر على ذلك أيضا برهة من الدهر بحيث تصلب سطح القمر و لم يقدر الغازات الملتهبة أن يصدعه و يخرج من خلاله، تنحبس الغازات بشدة و تنكثف ثمّ تتكثف الى أن يوحى اللّه عزّ و جلّ إليه بالانصداع، فينصدع و يتخلى بما فيها لشدة الانفجار، كما قال عزّ و جلّ بالنسبة الى الأرض: «يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى‏ لَها».


فاذ قد مضى البرهة الأولى و تصدع القمر على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و هو نبى آخر الزمان فكأنها قدمت رجلا و اقتربت الى أجلها، فكم عسى أن يكون مدى البرهة الثانية؟


يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها، قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ، ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً، يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها، قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ


النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ‏.


و أمّا فقه الآيات:


فقد تكرر في تضاعيف السورة قوله عزّ و جلّ: «وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ»* أربع مرّات و هي الآيات 17 و 22 و 32 و 40.


و معنى تيسير القرآن للذكر، على ما مر في ج 85 ص 4، أن القرآن قد جعل ذا قطعات مختلفة تلتئم كل قطعة منها في حدّ نفسه بحيث يتداعى قراءة الآية الأولى منها ذكرى الآية الثانية و هكذا، فيسهل ذكرها و قراءتها من حفظ، و مصداق هذه القطعات في هذه السورة عند تمام قوله عزّ و جلّ: «وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ»* و في سائر السور الكريمة عند ما يتم مفاد جملة منها بعد جملة على حدّ ما كان ينزل على نبى اللّه ص نجوما: نجما نجما.


و مفاد قوله عزّ و جلّ‏ «فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ»* الترغيب في الصلاة، فان تيسير القراءة انما كان لاجل حفظ القرآن و قراءته في الصلاة من ذكر، و لذلك سن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عند وقوع احدى الآيات المذكورة: انشقاق القمر، (و هي من آيات الساعة، فتكون سائر الآيات التي تكون علما للساعة مثله على ما عرفت في صدر الكلام، من خسوف القمر و الشمس و زلزلة الأرض) و هكذا الطوفان و الريح الصرصر و الصيحة السماوية و امطار الحصباء و فيضان اليم بالاغراق (مما يكون فيه العذاب الإلهي) صلاة، و جعل في كل ركعة منها خمس ركوعات: أربعا منها عند قراءة قوله عزّ و جلّ‏ «وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ»* و الخامسة عند تمام السورة كملا على ما هو المعهود المسنون من اقتضاء كل سورة ركعة بعدها سجدتان.


فعلى هذا، انما يجوز تقسيم سائر السور خمس قطعات في هذه الصلاة- صلاة الآيات اذا كان على وجه ينطبق عليه قوله عزّ و جلّ: «وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ»* حيث كررها عند تمام جملة بعد جملة: قصة نوح ثمّ قصة هود ثمّ قصة صالح ثمّ قصة لوط فكل قطعة من سورة واحدة تمّ بحثها و مفادها جملة واحدة من حيث الصدر و الذيل، كانت قصصا أ و لم تكن، جاز قراءتها في صلاة الآيات و الركوع بعدها، لكنه يجب عليه أن يتم السورة قبل الركوع الخامس ليصح له بعد ذلك سجدتان.


التالي ص 204/514 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...