بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء التاسع والثمانون 89 · الصفحة الأصلية 131 / داخلي 131 من 396

[صفحة 131]

من قال بالصرفة لا ينكر مزية القرآن على غيره بفصاحته و إنما يقول تلك المزية ليست مما تخرق العادة و تبلغ حد الإعجاز فليس في قبول الفصحاء و شهادتهم بفصاحة القرآن ما يوجب القول ببطلان الصرفة و أما دخولهم في الإسلام فلأمر بهرهم و أعجزهم و أي شي‏ء أبلغ من الصرفة في ذلك.


و أما القائلون بأن إعجازه الفصاحة قالوا إن الله جعل معجزة كل نبي من جنس ما يتعاطى قومه أ لا ترى أن في زمان موسى(ع)لما كان الغالب على قومه السحر جعل الله معجزته من ذلك القبيل فأظهر على يده قلب العصا حية و اليد البيضاء فعلم أولئك الأقوام بأن ذلك مما لا يتعلق بالسحر فآمنوا و كذلك زمان عيسى(ع)لما كان الغالب على قومه الطب جعل الله معجزته من ذلك القبيل فأظهر على يده إحياء الموتى و إبراء الأكمه و الأبرص فعلم أولئك الأقوام أن ذلك مما لا يوصل إليه بالطب فآمنوا به.


و كذلك لما كان زمن محمد ص الغالب على قومه الفصاحة و البلاغة حتى كانوا لا يتفاخرون بشي‏ء كتفاخرهم بها جعل الله معجزته من ذلك القبيل فأظهر على يده هذا القرآن و علم الفصحاء منهم أن ذلك ليس من كلام البشر فآمنوا به و لهذا جاء المخصوصون فآمنوا برسول الله كالأعشى‏ (1) مدح رسول الله ص‏


____________

(1) هو ميمون بن قيس بن جندل بن شراحيل بن عوف بن سعد بن ضبيعة بن قيس ابن ثعلبة بن الحصن بن عكابة بن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل يكنى أبا بصير خرج الى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يريد الإسلام فقال يمدح رسول اللّه صلّى اللّه عليه:

أ لم تغتمض عيناك ليلة أرمدا* * * و عادك ما عاد السليم المسهدا


و ما ذاك من عشق النساء و انما* * * تناسيت قبل اليوم خلة مهددا


و مهدد معشوقته؛ و فيها يقول لناقته:


فآليت لا أرثى لها من كلالة و لا من حفا* * * حتى تزور محمّدا


فبلغ خبره قريشا فرصدوه على طريقه و قالوا: هذا صناجة العرب- يعنى صاحب الصنج، لقب به لما كان في شعره من الجودة إذا أنشد أخذ بالاسماع كالصنج- ما مدح أحدا قط الارفع في قدره، فلما ورد عليهم قالوا له: أين أردت يا أبا بصير؟ قال: أردت صاحبكم هذا لاسلم، قالوا: انه ينهاك عن خلال و يحرمها عليك، و كلها بك رافق و لك موافق، قال:


و ما هن؟ فقال أبو سفيان بن حرب: الزنا، قال: لقد تركنى الزنا و ما تركته، ثمّ ما ذا؟


قال: القمار، قال: لعلى ان لقيته أن أصيب منه عوضا من القمار، ثمّ ما ذا؟ قال: الربا قال ما دنت و لا ادنت، ثمّ ما ذا؟ قال: الخمر، قال: أوه! أرجع الى صبابة قد بقيت لي في المهراس فأشربها (و المهراس حجر عظيم منقور يسع كثيرا من الماء) فقال له أبو سفيان:


هل لك في خير ممّا هممت به؟ قال: و ما هو؟ قال: نحن و هو الآن في هدنة، فتأخذ مائة من الإبل، و ترجع الى بلدتك سنتك هذه و تنظر ما يصير إليه أمرنا، فان ظهرنا عليه كنت قد أخذت خلفا، و ان ظهر علينا أتيته، فقال: ما أكره هذا، فقال أبو سفيان: يا معشر قريش! هذا الاعشى و اللّه لئن أتى محمّدا و اتبعه ليضرمن عليكم نيران العرب بشعره، فاجمعوا له مائة من الإبل، ففعلوا، فأخذها و انطلق الى بلده، فلما كان بقاع منفوحة- قرية مشهورة من نواحي اليمامة- رمى به بعيره فقتله. راجع سيرة ابن هشام ج 1 ص 386 الأغاني ج 9 ص 125.


التالي الأصلية 131داخلي 131/396 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...