تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء التاسع والثمانون 89 · الصفحة الأصلية 139 / داخلي 139 من 396
»»
[صفحة 139]
حتى الطب في قوله كُلُوا وَ اشْرَبُوا وَ لا تُسْرِفُوا فهذا أصل الطب و المحكم و المتشابه و الحقيقة و المجاز و الناسخ و المنسوخ و هو مهيمن على جميع الكتب المتقدمة. و العاشرة وجود قوام النظم في أجزائه كلها حتى لا يظهر في شيء من ذلك تناقض و لا اختلاف و له خواص سواها كثيرة.
فإن قيل فهلا كانت ألفاظ القرآن كليتها مؤلفة من قبل الألفاظ الموجزة التي إذا وقعت في الكلام زادته حسنا ليكون كلام الله على النظم الأحسن الأفضل إذ كان لا يعجزه شيء عن بلوغ الغاية كما يعجز الخلق عن ذلك.
الجواب أن هذا يعود إلى أنه كيف لم يرتفع أسباب التفاضل بين الأشياء حتى يكون كلها كشيء واحد متشابه الأجزاء و الأبعاض و كيف فضل بعض الملائكة على بعض و متى كان كذلك لم يوجد اختلاف الأشياء يعرف به الشيء و ضده على أنه لو كان كلام الله كما ذكر يخرج في صورة المعمى الذي لا يوجد له لذة البسط و الشرح و لو كان مبسوطا لم تبين فضيلة الراسخين في العلم على من سواهم و أنه تعالى حكيم عليم بأن إلطاف المبعوث إليهم إنما هو في النمط الذي أنزله فلو كان على تركيب آخر لم يكن لطفا لهم.
ثم لنذكر وجها آخر للصرفة و هو أن الأمر لو كان بخلافه و كان تعذر المعارضة و العدول عنها لعلمهم بفضله على سائر كلامهم في الفصاحة و تجاوزه له في الجزالة لوجب أن يقع منهم معارضة على كل حال لأن العرب الذين خوطبوا بالتحدي و التقريع و وجهوا بالتعنيف و التبكيت كانوا إذا أضافوا فصاحة القرآن إلى فصاحتهم و قاسوا بكلامهم كلامه علموا أن المزية بينهما إنما تظهر لهم دون غيرهم ممن نقص عن طبقتهم و نزل عن درجتهم دون الناس جميعا ممن لا يعرف الفصاحة و لا يأنس بالعربية و كان ما عليه دون المعرفة لفصيح الكلام من أهل زماننا ممن خفي الفرق عليهم بين مواضع من القرآن و بين فقرات العرب البديعة و كلمهم الغريبة فأي شيء أقعد بهم عن أن يعتمدوا إلى بعض أشعارهم