تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء التاسع والثمانون 89 · صفحة 153 من 467
صفحة
[صفحة 126]
بلاغة بعضهم عن بعض و يتفاوتون في ذلك بقدر تفاوت بلاغتهم فإذا تجاوز بلاغة القرآن ذلك المقدار الذي جرت به العادة في بلاغة العبد و بلغت حدا لا تبلغه بلاغة أبلغهم ظهر كونه ناقضا للعادة و إنما يبين كونه كذلك إذا بينا أنه تحداهم بمثل القرآن فعجزوا عنه و عما يقاربه.
فإذا قيل فبما ذا علمتم أن القرآن ظهر معجزة له دون غيره و ما أنكرتم أن الله بعث نبينا غير محمد و آمن محمد به فتلقته منه محمد ثم قتل ذلك النبي و ادعاه معجزة لنفسه.
الجواب إنا نعلم باضطرار أنه مختص به كما نعلم في كثير من الأشعار و التصانيف أنها مختصة بمن تضاف إليه كشعر إمرئ القيس و كتاب العين للخليل ثم إن القرآن ظهر منه و سمع و لم يجر في الناس ذكر أنه ظهر لغيره و لا جوزوه و كيف يجوز في حكمة الحكيم أن يمكن أحدا من ذلك و قد علم حال محمد في عزف نفسه عن ملاذ الدنيا من أول أمره إلى أواخره كيف يتهم بما قالوه. فإن قيل لعل من تقدم محمدا كإمرئ القيس و أضرابه لو عاصره لأمكنه معارضته قلنا إن التحدي لم يقع بالشعر فيصح ما قلته و كان في زمانه ص و قريبا منه من قدم في البلاغة من تقدم و لأنه ما كلفهم أن يأتوا بالمعارضة من عند أنفسهم و إنما تحداهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن من كلامهم أو كلام غيرهم ممن تقدمهم فلو علموا أن في كلامهم ما يوازي بلاغة القرآن لأتوا به و لقالوا إن هذا كلام من ليس بمنبئ و هو مساو للقرآن في بلاغته و معلوم أن محمدا ص ما قرأ الكتب و لا تتلمذ لأحد من أهل الكتاب و كان ذلك معلوما لأعدائه ثم قص عليهم قصص نوح و موسى و يوسف و هود و صالح و شعيب و لوط و عيسى و قصة مريم على طولها فما رد عليه أحد من أهل الكتاب شيئا منها و لا خطاؤه في شيء من ذلك و مثل هذه الأخبار لا يتمكن منها إلا بالتبخيت و الاتفاق (1) و قد نبه الله عليه بقوله ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا