هذا ما قضى به الفطرة، و تشهد به روايات كثيرة من طرق الفريقين بين طائفة تقول صم للرؤية و أفطر للرؤية، و طائفة تقول بأن يوم الشك يصام من شعبان فإذا شهد أهل بلد آخر فاقضه، و طائفة ترد على أهل الحساب من المنجّمين كما ستعرف الوجه في ذلك.
و هناك أخبار أخر مبناها على الحساب و العدد- ما بين صحاح و ضعاف: طائفة تحكم بأن شهر رمضان تام ابدا و شوال ناقص ابدا و هكذا كل الشهور شهر تام و شهر ناقص، و طائفة بأن اليوم المتمم للستين من هلال رجب اول شهر رمضان، و طائفة ان اليوم الخامس من أول شهر رمضان الماضى يومه الأول في العام الجاري، و غير ذلك ممّا هي مبتنية على أن السنة 354 يوما تاما كما أن بعضها تصرح بذلك.
و هذه الأخبار مدارها الحكومة على دليل الرؤية، فان الرؤية انما هو طريق فطري لثبوت الهلال، لكن عدم الرؤية لا يدلّ على عدم الهلال واقعا، و حينما لم تقع الرؤية تحكم هذه الروايات بثبوت الهلال في الافق و أنّه قد خرج من المحاق، كما إذا ظهر امام المسلمين و أخبر بأن الهلال في القطر الفلانى ليلة الخميس مثلا قابل للرؤية و أنّها غرة شهر رمضان كان قوله ذلك حاكما على دليل الرؤية، و لا منافاة بين الدليلين: الحاكم و المحكوم.
و قد يورد عليها بأن السنة القمرية تزيد على 354 يوما بثمان ساعات و ثمان و أربعين دقيقة (لكل شهر 29 يوما و 12 ساعة و 44 دقيقة) كما بين بالارصاد، و قد كان المعول و المصرح في تلك الروايات أن السنة 354 يوما تاما (لكل شهر 29 يوما و 12 ساعة تماما).
لكنه غير وارد حيث ان تلك الزيادة ليس باعتبار الهلال و خروجه عن المحاق 12 مرة، بل هو باعتبار وضع القمر بالنسبة الى الشمس الى حصول مثل ذلك الوضع، فالسنة المذكورة في الروايات هلالية واقعية، و سنتهم نجومية اعتبارية، و بينهما بون بعيد. و قد رأيت في بعض الكتب أن السنة الهلالية تزيد على 354 يوما بساعتين و 48 دقيقة (لكل شهر 29 يوما و 12 ساعة و 14 دقيقة) فقط، و في بعض آخر كدائرة الوجدى أن دورانه من هلال الى هلال يتم في 29 يوما و نصف يوم فيكون السنة 354 يوما تماما كما هو مفاد تلك الاخبار.
فان صح أن السنة 354 يوما كملا، و أن سير القمر من هلال الى هلال يتم في 29 يوما و 12 ساعة، انقسم كرة الأرض بحسب التوهم الى قطرين: قطر الليل و قطر النهار و في كل قطر منها: شهر تام و شهر ناقص أبدا، الا ان كل شهر كان في أحد القطرين ناقصا هو بعينه في القطر الآخر تام. و لا بد على ذلك من ارصاد جديد بالمراصد الجديدة المتقنة فيعين أن الهلال اول ما يخرج من المحاق بالنسبة الى كرة الأرض في أي مكان قابل للرؤية لأول ساعة، فإذا عين ذلك المكان- و نسميه- كان ذاك الهلال الطالع غرة للشهر الجاري لهم و هكذا لمن بعدهم سواء الا أنهم كلما دخلوا في ظلمة الليل على التدريج يرون الهلال أضوأ ثمّ أضوأ، حتى أن الذين يرونه بعد 23 ساعة من طلوعه مثلا يرونه بارزا كأنّه لليلتين و ليس به، بل هو لليلة كما لا يخفى.
فاذا مضى من طلوع الهلال الأول 29 يوما و نصف يوم، طلع الهلال- ثانيا من المحاق لكن المكان الذي عين في الهلال الأول و رئى فيه لأول ساعة و سميناه دار الى حيث يدخل في ضوء الصباح، و المكان الذي كان في الدور الأول مقابلا له و نسميه عاد الى مكان و يرى الهلال فيه، فيكون أول ليلتهم للشهر القادم.